«والعهد الذي يشار إليه هنا قد يكون هو عهد الله على فطرة البشر، الذي ورد ذكره في أواخر السورة: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا ...
وقد يكون هو عهد الإيمان الذي أعطاه أسلافهم الذين آمنوا بالرسل. ثم انحرفت الخلائف، كما يقع في كل جاهلية. إذ تظل الأجيال تنحرف شيئا فشيئا حتى تخرج من
عهد الإيمان وترتد إلى الجاهلية.
وأيا كان العهد فقد تبين أن أهل هذه القرى لا عهد لأكثرهم يستمسكون به، ويثبتون عليه. وإنما هو الهوى المتقلب، والطبيعة التي لا تصبر على تكاليف العهد ولا تستقيم. وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ منحرفين عن دين الله وعهده القديم ..
وهذه ثمرة التقلب .. ونقض العهد، واتباع الهوى ... ومن لم يمسك نفسه على عهده مع الله، مستقيما على طريقته، مسترشدا بهداه، فلا بد أن تتفرق به السبل، ولا بد أن ينحرف، ولا بد أن يفسق .. وكذلك كان أهل تلك القرى. وكذلك انتهى بهم المطاف.».
وتعليقا على هذا التعقيب الذي جاء بعد قصص أقوام عذبوا والذي جاء خاتمة للمقطع الأول من القسم الثاني في السورة، والذي يأتي بين يدي قصة موسى وفرعون، وقصة موسى مع قومه تعليقا على هذا التعقيب يقول صاحب الظلال:
«هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب .. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين، ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل ..