والحاصل: أنهم يتمنون الخلاص بكل وسيلة ممكنة؛ إما بشفاعة الشفعاء، وإما بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا فيها غير ما كانوا يعملون في حياتهم الأولى، فيكونون أهلا لمرضاة ربهم. وإنما تمنوا الشفعاء وتساءلوا عنهم من حيث كان من أسس الشرك أن النجاة عند الله إنما تكون بوساطة الشفعاء، وعندما يستبين لهم الحق الذي جاءت به الرسل؛ وهو أن النجاة إنما تكون بالإيمان الصحيح والعمل الصالح .. يتمنون لو يردون إلى الدنيا؛ ليعملوا بما أمرهم به الرسل.
وقرأ الجمهور: {أَوْ نُرَدُّ} - برفع الدال - {فَنَعْمَلَ} - بنصب اللام - عطف جملة فعلية على جملة اسمية، وتقدمهما استفهام، فانتصب الجوابان؛ أي: هل شفعاء لنا فيشفعوا لنا في الخلاص من العذاب، أو هل نرد إلى الدنيا فنعمل عملا صالحا. وقرأ الحسن فيما نقل الزمخشري بنصب الدال ورفع اللام. وقرأ الحسن فيما نقل ابن عطية وغيره برفعهما: عطف {فَنَعْمَلَ} على {نُرَدُّ} . وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة بنصبهما، فنصب {أَوْ نُرَدُّ} عطفا على {فَيَشْفَعُوا لَنا} جوابا على جواب، فيكون الشفعاء في أحد أمرين؛ إما في الخلاص من العذاب، وإما في الرد إلى الدنيا لاستئناف العمل الصالح، وتكون الشفاعة قد انسحبت على الرد، أو الخلاص، و {فَنَعْمَلَ} عطف على: {أَوْ نُرَدُّ} ، ويحتمل أن يكون {أَوْ نُرَدُّ} من باب لألزمنك أو تقضيني حقي، على تقدير من قدر ذلك: حتى تقضيني حقي، أو كي تقضيني حقي، فجعل اللزوم مغيا بقضاء حقه، أو معلولا له لقضاء حقه، وتكون الشفاعة إذ ذاك في الرد فقط.
قال تعالى: {قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} ؛ أي: خسروا وغبنوا في تجارة أنفسهم حيث ابتاعوا الخسيس الفاني من الدنيا بالنفيس الباقي من الآخرة {وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ} ؛ أي: بطل وذهب وغاب عنهم ما كانوا يزعمون ويكذبون في الدنيا من أن الأصنام تشفع لهم، فلما أفضوا إلى الآخرة ذهب ذلك عنهم وعلموا أنهم في دعواهم كانوا كاذبين، والمعنى: أنه بطل كذبهم وافتراؤهم الذي كانوا يقولونه في الدنيا، أو غاب عنهم ما كانوا يجعلونه شريكا لله، فلم ينفعهم ولا حضر معهم.