كما قال يوسف - عليه السَّلام -: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101) .
ففطره لهن إيجاؤه أمرهن المقدر إليهن، والأمر الذي أوحى به إليهن هو أمر الإسلام له، والأمر الذي أوحى
في كل سماء وفي كل أمر هو أمر الإسلام له أولاً، ثم ما كان من كائن عنهن
ومنهن، وكل ما أطيع الله به من عمل أو قول أو شهادة فهو إسلام، والأمر
النازل من لدنه - جلَّ جلالُه - فيما هذا سبيله أمر كون لا بد كائنًا، وهو المعني بقوله الحق
الذي قال - عز وجل -: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) .
(وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) والأمر الذي أرسل به رسله أمر شرع
جمعه أو أمر أوجد له ما يقابله في المكلفين؛ أعني: الثقلين، وهو العصيان،
فلذلك تطرق إليه الخلاف، ليس كذلك أمر الكون.
أتبع ذلك قوله جل من قائل: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54)
والخلق: الإيجاد، والأمر شأنه، وما يقضيه بمشيئته العالية، أجرى
أمره من الخلق مجرى الأرواح من الأجسام، جمع بها بين الكلمتين، كل ما
أوجده من شيء عُلُوًّا وسفلاً دنيا وآخرة، ثم تبارك جل ذكره، وسمى بالمنازل
سبحانه وله الحمد ما أتقن ما صنع، وأحكم ما خلق، وأحسن ما دبر، فتبارك الله
رب العالمين، فجمع كل مذكور من رب ومربوب قديم أو محدث، وما كان وما
يكون أبدًا وأزلاً.
قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ...(55) .
إلى قوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(56) .
أمر جل ذكره أن يكون الدعاء منا
تضرعًا وخفية في حال الدعاء الكريم قربه وعلي وجوده ولغناء ذلك؛ لأنه لا يكون
على الأغلب إلا على علم من بقرب المدعو المرغوب إليه عز جلاله، لا في
حال ذلك من الداعي بعظيم غنى ذلك عند الله (وَخُفْيَةً) من إخفاء الصوت.
وقد مدح جل ذكره نبيه زكريا - عليه السَّلام - بذلك فقال: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3)