هذا في هذه الأربعة الأيام قضى السماوات سبعًا فصلهن بعضهن من بعض،
وأغطش ليل السماء الدنيا وزينها بالنجوم وحرسها بالرجوم، وأخرج ضحاها
وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا في أربعة أيام سواء للسائلين.
ثُمَّ استوى إلى السماء وهي دخان فقط فعطف بحرف"ثم"على قوله:
(فِي يَوْمَيْنِ) أي: إن قضاءه السماوات وتفصيلهن كان بعد اليومين الذين خلق الله
فيهما السماء دخانًا، والأرض والجبال بين ذلك في موضع آخر من كتابه في قوله:
(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا(27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ
ضُحَاهَا (29) .
ثم قال: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) إلى آخر المعنى،
فبيَّن بقوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) ، وليس المشار إليه بقوله إلا ما ذكره
من إتمام أمر السماء، فهذه الستة الأيام التي خلق الله فيهن السماوات والأرض بنص
القرآن.
ثم بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال:"خلق الله التربة يوم السبت، وخلق"
الجبال يوم الأحد، وخلق الثرى يوم الإثنين - وفي أخرى:"البحر والماء"-
وخلق الظلمة يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم
الخميس، وخلق السماء أولاً ثم الأرضين"."
وإنما أخبر هنا عن خلقه الأرض، ولذلك لم يعرج على ذكر السماء إلا عن
جنب، ولما كان الغرض في سورة"والنازعات"الإخبار عن السماء أعلم
بتقديمه خلق السماء فقال: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا(27)
إلى آخر المعنى، إلى قوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) فالسماء
هي الأولى في الإيجاد وقضاء الأمر والتفصيل والتبريك، ويتلوها الأرض في جميع
شأنها وذلك كله في الستة الأيام.
ثم قال عز من قائل: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ... .) .
وقال في موضع آخر:(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ)إلى قوله: (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4) .