والثاني: أن يكون قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) أي: إلى العرش في خلقه، ورفعه، وإتمامه، دليل احتماله على ذلك أن على من حروف الخفض وقد يوضع بعض موضع بعض؛ كقوله: (إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) ، بمعنى: عن الناس، وقوله: (إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِم) ، بمعنى: عند ربهم، مع ما قال اللَّه: (إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) ، (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) ، بمعنى إليه، وعلى ذلك: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) أي: إلى العرش وهو على الماء كما ذكر ما فرفعه وأتمه؛ كما قال: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) فخلق ما ذكر، واللَّه أعلم.
والوجه الثاني: المذكور في الآية من اسم الرب وخلق ما ذكر وتسخير الذي وصفه ثم لم يتوهم في شيء من ذلك المعنى الذي يضاف إلى الخلق أنه رب كذا أو سخر كذا أو صنع كذا ملحد ولا موحد فكيف احتمل قلبي المشبهي في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، لولا جهله به وتقديره بالذي عليه أمر نفسه، واللَّه الموفق.
والثالث: أن الناس في خلق اللَّه الخلق مختلفون.
فمنهم من جعله الخلق نفسه، دون أن يكون اللَّه بذاته يلحقه وصف سوى إضافة الخلق إليه في أن كان به، فعلى ذلك قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) إنما هو ما ذكر من غير أن كان سبحانه يلحقه وصف لم يكن له.
ومنهم مَنْ يراه خالقًا بذاته؛ ليكون جميع الخلائق إلى الأبد بتكوينه الذي يعبر عنه بقوله: كن من غير أن كان ثَمَّ كاف أو نون على كون كل شيء عليه به من غير تغيير عليه، ولا زوال عما كان عليه إذ لا شيء غيره، فكل معنى لو حقق أوجب تغيرًا أو زوالًا أو قرارًا أو نحو ذلك، فاللَّه يجل عنه ويتعالى؛ إذ ذلك علم الحدث، وأمارة الغيرية، ولا قوة إلا باللَّه.