وَأَمَّا قَوْلُهُ: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: قُدَّامَ رَحْمَتِهِ وَأَمَامَهَا، وَالْعَرَبُ كَذَلِكَ تَقُولُ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدَثَ قُدَّامَ شَيْءٍ وَأَمَامَهُ جَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ جَرَى فِي أَخْبَارِهِمْ عَنْ بَنِي آدَمَ، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمْ حَتَّى قَالُوا ذَلِكَ فِي غَيْرِ ابْنِ آدَمَ وَمَا لَا يَدَ لَهُ. وَالرَّحْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَطَرُ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ: وَاللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ لَيِّنًا هُبُوبُهَا، طَيِّبًا نَسِيمُهَا، أَمَامَ غَيْثِهِ الَّذِي يَسُوقُهُ بِهَا إِلَى خَلْقِهِ، فَيُنْشِئُ بِهَا سَحَابًا ثِقَالًا، حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْهَا، وَالْإِقْلَالُ بِهَا: حَمْلُهَا، كَمَا يُقَالُ: اسْتَقَلَّ الْبَعِيرُ بِحِمْلِهِ وَأَقَلَّهُ: إِذَا حَمَلَهُ فَقَامَ بِهِ. سَاقَهُ اللَّهُ لِإِحْيَاءِ بَلَدٍ مَيِّتٍ قَدْ تَعَفَّتْ مَزَارِعُهُ وَدَرَسَتْ مَشَارِبُهُ وَأَجْدَبَ أَهْلُهُ، فَأَنْزَلَ بِهِ الْمَطَرَ وَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ.
عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ الرِّيحَ فَتَأْتِي بِالسَّحَابِ مِنْ بَيْنِ الْخَافِقَيْنِ طَرَفِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ حَيْثُ يَلْتَقِيَانِ، فَيُخْرِجُهُ مِنْ ثَمَّ، ثُمَّ يَنْشُرُهُ فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ، ثُمَّ يَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، فَيَسِيلُ الْمَاءُ عَلَى السَّحَابِ، ثُمَّ يُمْطِرُ السَّحَابُ بَعْدَ ذَلِكَ."
وَأَمَّا رَحْمَتُهُ: فَهُوَ الْمَطَرُ""