يَقُولُ: عَلَى عِلْمٍ مِنَّا بِحَقِّ مَا فُصِّلَ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ الَّذِي مُيِّزَ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِّ، {هُدًى وَرَحْمَةً} ، يَقُولُ: بَيَّنَّاهُ لِيَهْتَدِيَ وَيُرْحَمَ بِهِ قَوْمٌ يُصَدِّقُونَ بِهِ وَبِمَا فِيهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَأَخْبَارِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ. فَيُنْقِذُهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى. وَهَذِهِ الْآيَةُ مَرْدُودَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} .
{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} ، وَالْهُدَى فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {فَصَّلْنَاهُ} ، وَلَوْ نُصِبَ عَلَى فِعْلِ فَصَّلْنَاهُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: فَصَّلْنَا الْكِتَابَ كَذَلِكَ كَانَ صَحِيحًا، وَلَوْ قُرِئَ (هُدًى وَرَحْمَةٍ) كَانَ فِي الْإِعْرَابِ فَصِيحًا، وَكَانَ خَفْضُ ذَلِكَ بِالرَّدِّ عَلَى الْكِتَابِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} : هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَجْحَدُونَ لِقَاءَهُ، إِلَّا تَأْوِيلَهُ؟ يَقُولُ: إِلَّا مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ مِنْ وُرُودِهِمْ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ، وَصِلِيِّهِمْ جَحِيمَهُ، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا أَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّأْوِيلِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
عَنِ السُّدِّيِّ:"أَمَّا تَأْوِيلُهُ: فَعَوَاقِبُهُ مِثْلُ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَالْقِيَامَةِ، وَمَا وَعَدَ فِيهِ مِنْ مَوْعِدٍ"
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} ، قَالَ:"يَأْتِي تَحْقِيقُهُ."
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} ، قَالَ: هَذَا تَحْقِيقُهَا.