قَالَ الْحَسَنُ: فَمَا أَكْثَرَ الرَّاغِبِينَ عَنْ سُنَّتِهِ التَّارِكِينَ لَهَا، ثَمَّ عُلُوجًا فُسَّاقًا، أَكَلَةُ الرِّبَا وَالْغُلُولِ، قَدْ سَفَّهَهُمْ رَبِّي وَمَقَّتَهُمْ، زَعَمُوا أَنْ لَا بَأْسَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَكَلُوا وَشَرِبُوا وَزَخْرَفُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ، يَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} ، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ لِأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، قَدْ جَعَلَهَا مُلَاعِبٌ لِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ مِنْ كَلَامٍ لَمْ يَحْفَظْهُ سُفْيَانُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تُحَرِّمُ مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ أَنْ تَقُولَ لَهُمْ: {مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} ، إِذْ عَيُوا بِالْجَوَابِ فَلَمْ يَدْرُوا مَا يُجِيبُونَكَ: زِينَةُ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَطَيِّبَاتُ رِزْقِهِ، لِلَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَاتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ شَرَكَهُمْ فِي ذَلِكَ فِيهَا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ، وَهِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَشْرِكُهُمْ فِي ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ كَفَرَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «شَارَكَ الْمُسْلِمُونَ الْكُفَّارَ فِي الطَّيِّبَاتِ، فَأَكَلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ طَعَامِهَا، وَلَبِسُوا مِنْ خِيَارِ ثِيَابِهَا، وَنَكَحُوا مِنْ صَالِحِ نِسَائِهَا، وَخَلَصُوا بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: (خَالِصَةً) ، فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: (خَالِصَةٌ) بِرَفْعِهَا، بِمَعْنَى: قُلْ هِيَ خَالِصَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا.