وَالْمَأْخُوذُ مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَغَيْرِهَا مَا حَقَّقَهُ وَفَصَّلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْإِنْسَانِ فِي السَّعَةِ وَالضِّيقِ كَالنَّفَقَةِ ، قَالَ تَعَالَى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) (65: 7) فَمَنْ عِنْدَهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ فَلْيَسْتُرْ بِهِ جَمِيعَ بَدَنِهِ وَيُصَلِّ بِهِ - فَإِنْ لَمْ يَسْتُرْ إِلَّا الْعَوْرَةَ كُلَّهَا أَوِ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ - وَهِيَ السَّوْءَتَانِ - فَلْيَسْتُرْ بِهِ مَا يَسْتُرُهُ ، وَمَنْ وَجَدَ ثَوْبَيْنِ مَهْمَا يَكُنْ نَوَعُهُمَا أَوْ أَكْثَرَ فَلْيُصَلِّ بِهِمَا ، وَالْخُلَاصَةُ أَنَّهُ يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ فِي أَوْسَطِ حَالٍ حَسَنَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا ، وَقَدْ عَدَّ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَعْذَارِ تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقْدُ الرَّجُلِ لِلثِّيَابِ اللَّائِقَةِ بِهِ بَيْنَ أَمْثَالِهِ حَتَّى الْعِمَامَةِ لِلْعَالِمِ .
هَذَا الْأَمْرُ بِالزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ - لَا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحْدَهُ - أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِصْلَاحِ الدِّينِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ يُعْرَفُ بَعْضُ قِيمَتِهِ مِمَّا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُهَا حَقَّ الْمَعْرِفَةِ مَنْ قَرَأَ تَوَارِيخَ الْأُمَمِ وَالْمِلَلِ ، وَعَلِمَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُتَوَحِّشِينَ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي الْحَرَجَاتِ وَالْغَابَاتِ أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ يَأْوُونَ إِلَى
الْكُهُوفِ وَالْمَغَارَاتِ ، وَالْقَبَائِلِ الْكَثِيرَةِ الْوَثَنِيَّةِ