لون من عدل الله ، وإلا ، فهل يدعي أحد أن إنسانا تتجمع فيه كل المواهب التي تتطلبها الحياة. لا ، وهذه من عدالة الرحمن.
إن من عدالة الحق أنه وزع المواهب بين البشر ، فبدلا من أن يعتمد الإنسان على نفسه فِي صناعة الملبس والمأكل ، والمشرب ، جعل الله المهارات موزعة بين البشر.. فأتقنت مجموعة من البشر حرفة الزراعة لإنتاج الطعام الذي يكفيهم ، ويسد حاجة غيرهم ، وكذلك تبادلوا مع غيرهم المنافع ، فالإنسان - بمفرد - لا يستطيع أن يزرع القطن ويجمعه ويغزله وينسجه ؛ ليلبس ، والإنسان لا يستطيع أن يزرع القمح ويحصده ثم يطحنه ثم يخبزه.
إن الله لم يخلق الناس ليقوم كل فرد بإشباع حاجات نفسه المتنوعة ، إنما وزع الله المواهب ، لتتداخل هذه المواهب ، ويتكامل المجتمع البشري ، فواحد يزرع الأرض ، وثانٍ يغزل القطن ، وثالث ينسج القماش ، ورابع يصنع الأدوات. وهذا عدل عظيم ؛ لأن الطاقة البشرية لا تقوى على أن تقوم بكل متطلبات الحياة ، لذلك جعل الحق هذا التنوع فِي المواهب ليربط الناس بالناس قهرا عن الناس ، فلم يجعل لأحد تفضيلا على أحد ، فما دام واحد يعرف فِي مجال ، وآخر لا يعرف فِي هذا المجال ، فالذي لا يعرف محتاج للآخر ، وهكذا يتبادل الناس المنافع رغما عنهم.
ولذلك نجد الكون متكاملا. ولينظر كل منا إلى حياته وليعدد كمْ زاوية من زوايا العلم ، وكم زاوية من زوايا القدرات ، وكم زاوية من زوايا المواهب تلزم حتى تخدم حركة الحياة ؟
إن هذه الزوايا موزعة على الناس جميعا ليخدموا جميعاً حركة الحياة. وهذا قمة العدل. وحتى يوضح لنا الحق قيمة العدل وكيفية العدالة فِي إقامة المحبة والاحترام بين البشر ، فلينظر الواحد منا إلى الإنسان الآخر البعيد عنه ، ويتساءل بينه وبين نفسه: أهذا الرجل البعيد عني يعمل من أجلي ؟ وتكون الإجابة: نعم.