وَهَاهُنَا يَنْفَعُكَ الْفَنَاءُ بِشُهُودِ الْحَقِيقَةِ عَنْ شُهُودِ جِنَايَتِهِمْ عَلَيْكَ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ لِرَجُلٍ تَعَدَّى عَلَيْهِ وَظَلَمَهُ: إِنْ كُنْتَ ظَالِمًا فَالَّذِي سَلَّطَكَ عَلَيَّ لَيْسَ بِظَالِمٍ.
[مَشَاهِدُ الْعَبْدِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ أَذَى الْخَلْقِ]
[الْمَشْهَدُ الْأَوَّلُ مَشْهَدُ الْقَدَرِ]
وَهَاهُنَا لِلْعَبْدِ أَحَدَ عَشَرَ مَشْهَدًا فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ أَذَى الْخَلْقِ وَجِنَايَتِهِمْ عَلَيْهِ.
أَحَدُهَا: الْمَشْهَدُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَهُوَ مَشْهَدُ الْقَدَرِ وَأَنَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ. فَيَرَاهُ كَالتَّأَذِّي بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالْمَرَضِ وَالْأَلَمِ، وَهُبُوبِ الرِّيَاحِ، وَانْقِطَاعِ الْأَمْطَارِ. فَإِنَّ الْكُلَّ أَوْجَبَتْهُ مَشِيئَةُ اللَّهِ. فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ. وَوَجَبَ وُجُودُهُ. وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَامْتَنَعَ وُجُودُهُ. وَإِذَا شَهِدَ هَذَا: اسْتَرَاحَ. وَعَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ. فَمَا لِلْجَزَعِ مِنْهُ وَجْهٌ. وَهُوَ كَالْجَزَعِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَرَضِ وَالْمَوْتِ.
[فَصْلٌ الْمَشْهَدُ الثَّانِي مَشْهَدُ الصَّبْرِ]
الْمَشْهَدُ الثَّانِي: مَشْهَدُ الصَّبْرِ فَيَشْهَدُهُ وَيَشْهَدُ وُجُوبَهُ، وَحُسْنَ عَاقِبَتِهِ، وَجَزَاءَ أَهْلِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْغِبْطَةِ وَالسُّرُورِ. وَيُخَلِّصُهُ مِنْ نَدَامَةِ الْمُقَابَلَةِ وَالِانْتِقَامِ. فَمَا انْتَقَمَ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ قَطُّ إِلَّا أَعْقَبَهُ ذَلِكَ نَدَامَةٌ. وَعَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْبِرِ اخْتِيَارًا عَلَى هَذَا - وَهُوَ مَحْمُودٌ - صَبَرَ اضْطَرَارًا عَلَى أَكْبَرَ مِنْهُ. وَهُوَ مَذْمُومٌ.
[فَصْلٌ الْمَشْهَدُ الثَّالِثُ مَشْهَدُ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالْحِلْمِ]