قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَخِرُّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُهُ مُخْلِصًا سَاجِدًا، وَيَبْقَى الْمُنَافِقُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ كَأَنَّ فِي ظُهُورِهِمُ السَّفَافِيدَ، فَيُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَيَدْخُلُ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
(خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ) أَيْ ذَلِيلَةً مُتَوَاضِعَةً، وَنَصْبُهَا عَلَى الْحَالِ.
(تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرْفَعُونَ رؤوسهم وَوُجُوهَهُمْ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ.
وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ حَتَّى تَرْجِعَ أَشَدَّ سَوَادًا مِنَ الْقَارِ.
قُلْتُ: مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَابْنِ مَسْعُودٍ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وغيره.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ)
أَيْ فِي الدُّنْيَا.
(وَهُمْ سالِمُونَ)
مُعَافُونَ أَصِحَّاءُ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: أَيْ يُدْعَوْنَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فيأبونه.
وقال سعيد ابن جُبَيْرٍ: كَانُوا يَسْمَعُونَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَلَا يُجِيبُونَ.
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِي الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجَمَاعَاتِ.
وَقِيلَ: أَيْ بِالتَّكْلِيفِ الْمُوَجَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الشَّرْعِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ.
وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) الْكَلَامُ فِي وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ قَدْ فُلِجَ وَكَانَ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ: يَا أَبَا يَزِيدَ، لَوْ صَلَّيْتَ فِي بَيْتِكَ لَكَانَتْ لَكَ رُخْصَةٌ.
فَقَالَ: مَنْ سَمِعَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَلْيُجِبْ وَلَوْ حَبْوًا.
وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ طَارِقًا يُرِيدُ قَتْلَكَ فَتَغَيَّبْ.
فَقَالَ: أَبِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلَيَّ؟ فَقِيلَ لَهُ: اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ.
فَقَالَ: أَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فلا أجيب!
(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ)