وقال أبو بكر بن الأصم وجعفر بن حرب: {مَنْ} مفعول والفاعل مضمر وهو الله تعالى فاحتالا بهذا لنفي خلق الأفعال.
{هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً} لينة سهلة مذللة لا تمنع المشي فيها {فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا} جوانبها استدلالاً واسترزاقاً أو جبالها أو طرقها {وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ} أي من رزق الله فيها {وَإِلَيْهِ النشور} أي وإليه نشوركم فهو سائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم {ءامِنْتُمْ مَّن فِى السماء} أي من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه فكأنه قال: أأمنتم خالق السماء وملكه ، أو لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه وأنه في السماء ، وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعالٍ عن المكان {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض} كما خسف بقارون {فَإِذَا هِىَ تَمُورُ} تضطرب وتتحرك {أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السماء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصبا} حجارة أن يرسل بدل من بدل الاشتمال وكذا {أَن يَخْسِفَ} {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم {وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} من قبل قومك {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي إنكاري عليهم إذ أهلكتهم.
ثم نبه على قدرته على الخسف وإرسال الحاصب بقوله {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير} جمع طائر {فَوْقَهُمْ} في الهواء {صافات} باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانهن {وَيَقْبِضْنَ} ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن.
و {يقبضن} معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى أي يصففن ويقبضن ، أو صافات وقابضات.
واختيار هذا التركيب باعتبار أن أصل الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والهواء للطائر كالماء للسابح.