فإن قلت: لم قرن هذا بأداة الشرط فقال (إِنَّ أَمْسَكَ رِزقَهُ) ، ولم يقرن الأول بها، فلم يقل: أم من هذا الذي ينصركم إن لم ينصركم الرحمن، أوْ لا يذكر الشرط فيهما معا؟ فالجواب: أن الرزق لازم لهم لابد لهم منه، إذ لَا قوام لهم دونه، فإِمساكه عنهم مستبعد أو ممتنع، إذ لَا حياة لهم
إلا معه، فأتى فيه بأن الداخلة على المحال أو القريب منه، وأما النصرة على الأعداء فليست لازمة، بل قد تكون وقد لَا تكون، فلذلك لم يقرن إمساكها بـ (إنْ) للدلالة على الحال، فإِن قلت: ما مناسبة تعقب الأول بقوله تعالى: (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) ، وتعقب هذا بقوله (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) ، هلا كان الأمر بالعكس؟ فالجواب: أن النصرة دالة على العتو والقوة، وهم ادعوهمها لأنفسهم وزعموا أنهم ينصرون فلو عقب بقوله (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) ، لتوهم أن لهم قوة واستنفارا لأنفسهم، فتحرز من ذلك بقوله تعالى: (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) ، إشارة إلى أنهم اغتروا، فتوهموا أن لهم قوة وتجلدا، وأنهم لَا يغلبون، بل ينصرون، ولما كان الرزق محققا نسبة إلى الله تعالى وهم مقرون بذلك وما ادعوا نسبته إليهم أصلا، عقبوا ببيان أنهم تعنتوا أو كذبوا ونفروا، ويقال في البهائم: نفرت نفورا، وفي بني آدم: نفرت نفيرا ونفارا وقوله تعالى: (وَنُفُورٍ) ، إشارة إلى شدة جهلهم وغباوتهم أنهم فعلوا فعل البهائم في القول.
قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ ... (22) }
إن قلت: هل هذا التركيب مضاد وتعكسه، وهو أفمن يَمْشِي سَوِيًّا أهدى، أم من يمشي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ؟ فالجواب: أنه غير متناوله، لأنه يقرب التهكم بهم في كون حالتهم مساوية بحالة غيرهم، ولا يحصل ذلك إلا بالتصدير لهم، الزمخشري: يكب من أكب، وليس هو مطاوع كب انتهى، ولم يبين وجه كونه غير مطاوع، وبيانه أن فعل المطاوع هو الذي يقع سببه من غير فاعله، كقولك: كسرته فانكسر، وغير المطاوع منه مقصور على فعل فاعله، مثل قام وقعد، وأكب هذا، يقول: أكب لمن اتصف بالانكباب ابتداء من غير أن يكبه أحد.