الْمَذْهَبُ الثَّانِي عَشَرَ: التَّوَقُّفُ فِي ذَلِكَ لَا يُحَرِّمُهَا الْمُفْتِي عَلَى الزَّوْجِ، وَلَا يُحَلِّلُهَا لَهُ، كَمَا رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ عَنْ علي أَنَّهُ قَالَ: (مَا أَنَا بِمُحِلِّهَا وَلَا مُحَرِّمِهَا عَلَيْكَ، إِنْ شِئْتَ فَتَقَدَّمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَأَخَّرْ)
الْمَذْهَبُ الثَّالِثَ عَشَرَ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُوقِعَ التَّحْرِيمَ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا تَعْلِيقًا مَقْصُودًا، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، فَالْأَوَّلُ ظِهَارٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، وَلَوْ وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ: أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ.
وَالثَّانِي: يَمِينٌ يَلْزَمُهُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَإِذَا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَظِهَارٌ، وَإِذَا قَالَ إِنْ سَافَرْتُ، أَوْ إِنْ أَكَلْتُ هَذَا الطَّعَامَ، أَوْ كَلَّمْتُ فُلَانًا، فَامْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامٌ، فَيَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابن تيمية، فَهَذِهِ أُصُولُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَتَفَرَّعُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَذْهَبًا.
[فَصْلٌ: الِاخْتِلَافُ فِي تَحْرِيمِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ]
وَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا غَيْرَ الزَّوْجَةِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ أَوْ أَمَتِهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ أبو حنيفة: يَحْرُمُ تَحْرِيمًا مُقَيَّدًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا إِذَا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَمَّى الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ تَحِلَّةً، وَهِيَ مَا يُوجِبُ الْحِلَّ، فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ قَبْلَهَا، وَلِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِمَا أُبِيحَ لَهُ، فَيَحْرُمُ بِتَحْرِيمِهِ كَمَا لَوْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ.