بهذا الاعتقاد لمعت سيوفهم بالمشرق , وانقضت شهبها على الحيارى في
هبوات الحروب من أهل المغرب , وهو الذي حملهم على بذل أموالهم وجميع ما
يملكون من رزق في سبيل إعلاء كلمتهم لا يخشون فقرًا ولا يخافون فاقة. هذا
الاعتقاد هو الذي سهل عليهم حمل أولادهم ونسائهم ومن يكون في حجورهم إلى
ساحات القتال في أقصى بلاد العالم كأنما يسيرون إلى الحدائق والرياض , وكأنهم
أخذوا لأنفسهم بالتوكل على الله أمانًا من كل غادرة وأحاطوها من الاعتماد عليه
بحصن يصونهم من كل طارقة , وكان نساؤهم وأولادهم يتولون سقاية جيوشهم
وخدمتها فيما تحتاج إليه، لا يفترق النساء والأولاد عن الرجال والكهول إلا بحمل
السلاح , ولا تأخذ النساء رهبة وتغشى الأولاد مهابة. هذا الاعتقاد هو الذي ارتفع
بهم إلى حد كان ذكر اسمهم يذيب القلوب , ويبدد أفلاذ الأكباد حتى كانوا يُنصرون
بالرعب يُقذف به في قلوب أعدائهم فينهزمون بجيش من الرهبة قبل أن يشيموا
بروق سيوفهم ولمعان أسنتهم، بل قبل أن تصل إلى تخومهم أطراف جحافلهم
(بكائي على السالفين , ونحيبى على السابقين. أين أنتم يا عصبة الرحمة وأولياء
الشفقة. أين أنتم يا أعلام المروءة وشوامخ القوة. أين أنتم يا آل النجدة وغوث
المضيم يوم الشدة. أين أنتم يا خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون
عن المنكر. أين أنتم أيها الأمجاد الأنجاد القوَّامون بالقسط الآخذين بالعدل الناطقون
بالحكمة المؤسسون لبناء الأمة. ألا تنظرون من خلال قبوركم إلى ما أتاه خَلَفكم من
بعدكم , وما أصاب أبناءكم ومن ينتحل نحلتكم. انحرفوا عن سُنتكم , وجاروا عن
طريقكم فَضَلُّوا عن سبيلكم , وتفرقوا فرقًا وأشياعًا حتى أصبحوا من الضعف على
حال تذوب لها القلوب أسفًا. وتحترق الأكباد حزنًا. أضحوا فريسة للأمم الأجنبية
لا يستطيعون ذودًا عن حوضهم , ولا دفعًا عن حوزتهم. ألا يصيح من برازخكم
صائح منكم ينبه الغافل ويوقظ النائم , ويهدي الضال إلى سواء السبيل. إنا لله وإنا
إليه راجعون).
أقول - وربما لا أخشى واهمًا ينازعني فيما أقول: إنه من بداية تاريخ
الاجتماع البشري إلى اليوم ما وجد فاتح عظيم ولا محارب شهير نبت في أواسط