فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 431048 من 466147

الطبقات ثم رقي بهمته في أعلى الدرجات فذللت له الصعاب وخضعت الرقاب ,

وبلغ من بسطة الملك ما يدعو إلى العجب ويبعث الفكر على طلب السبب - إلا كان

معتقدًا بالقضاء والقدر. سبحان الله! الإنسان حريص على حياته شحيح بوجوده

على مقتضى الفطرة والجِبِلة , فما الذي يهوّن عليه اقتحام المخاطر وخوض

المهالك ومصارعة المنايا، إلا الاعتقاد بالقضاء والقدر , وركون قلبه إلى أن القدر

كائن ولا أثر لهول المظاهر.

أثبتت لنا التواريخ أن كورش الفارسي (كيخسرو) وهو أول فاتح يعرف في

تاريخ الأقدمين ما تسنى له الظفر في فتوحاته الواسعة إلا لأنه كان معتقدًا بالقضاء

والقدر , فكان لهذا الاعتقاد لا يهوله هول , ولا توهن عزيمته شدة , وأن إسكندر

الأكبر اليوناني كان ممن رسخ في نفوسهم هذه العقيدة الجليلة , وجنكيز خان

التتري صاحب الفتوحات المشهورة كان من أرباب هذا الاعتقاد , بل كان نابليون

الأول بونابرت الفرنساوي من أشد الناس تمسكًا بعقيدة القضاء , وهي التي كانت

تدفعه بعساكره القليلة على الجماهير الكثيرة , فيتهيأ له الظفر وينال بغيته من

النصر.

فنعم الاعتقاد الذي يطهِّر النفوس الإنسانية من رذيلة الجبن وهو عائق

للمتدنس به عن بلوغ كماله في طبقته أيًّا كانت. نعم إننا لا ننكر أن هذه العقيدة قد

خالطها في نفوس بعض العامة من المسلمين شوائب من عقيدة الجبر , وربما كان

هذا سببًا في رزيئتهم ببعض المصائب التي أخذتهم بها في الأعصر الأخيرة ,

ورجاؤنا في الراسخين من علماء العصر أن يسعوا جهدهم في تخليص هذه العقيدة

الشريفة من بعض ما طرأ عليها من لواحق البدع , ويذكِّروا العامة بسنن السلف

الصالح وما كانوا يعملون , وينشروا بينهم ما أثبته أئمتنا - رضي الله عنهم -

كالشيخ الغزالي وأمثاله من أن التوكل والركون إلى القضاء إنما طلبه الشرع منا في

العمل لا في البطالة والكسل , وما أمرنا الله أن نهمل فروضنا وننبذ ما أوجب علينا

بحجة التوكل عليه , فتلك حجة المارقين عن الدين الحائدين عن الصراط المستقيم.

ولا يرتاب أحد من أهل الدين الإسلامي في أن الدفاع عن الملة في هذه الأوقات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت