ثم بيَّن ما في صحفهما فقال: {ألاّ تَزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أُخْرى} أي: لا تَحْمِل نَفْس حاملةٌ حملَ أُخْرى ؛ والمعنى: لا تؤخَذ بإثم غيرها.
{وأن ليس للإنسان إِلاّ ما سعى} قال الزجّاج: هذا في صحفهما أيضاً.
ومعناه: ليس للإنسان إِلاّ جزاء سعيه ، إِن عَمِل خيراً جُزِي عليه خيراً ، وإِن عَمِل شَرّاً.
جزي شَرّاً.
واختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال.
أحدها: أنها منسوخة بقوله: {وأَتْبَعْناهم ذُرِّياتِهم بإيمان} [الطور: 21] فأُدخل الأبناء الجَنَّة بصلاح الآباء ، قاله ابن عباس ، ولا يصح ، لأن لفظ الآيتين لفظ خبر ، والأخبار لا تُنْسَخ.
والثاني: أن ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى ، وأما هذه الأمَّة فلهم ما سَعَوا وما سعى غيرُهم ، قاله عكرمة ، واستدل"بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي سألته: إنَّ أبي مات ولم يحُجَّ ، فقال:"حُجِّي عنه"."
والثالث: أن المراد بالإنسان هاهنا: الكافر ، فأمّا المؤمن ، فله ما سعى وما سُعي له ، قاله الربيع بن أنس.
والرابع: أنه ليس للإنسان إلاّ ما سعى من طريق العدل ، فأمّا مِنْ باب الفَضْل ، فجائز أن يَزيده اللهُ عز وجل ما يشاء ، قاله الحسين بن الفضل.
والخامس: أن معنى"ما سعى"ما نوى ، قاله أبو بكر الورّاق.
والسادس: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدُّنيا ، فيُثاب عليه فيها حتى لا يبقى له في الآخرة خير ، ذكره الثعلبي.
والسابع: أن اللام بمعنى"على"فتقديره: ليس على الإنسان إلا ما سعى.
والثامن: أنه ليس له إلاّ سعيه ، غير أن الأسباب مختلفة ، فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة وولد يترحم عليه وصديق ، وتارة يسعى في خِدمة الدِّين والعبادة ، فيكتسب محبة أهل الدِّين ، فيكون ذلك سببا حصل بسعيه ، حكى القولين شيخنا علي بن عبيد الله الزاغوني.
قوله تعالى: {وأنَّ سَعْيَه سوف يُرَى} فيه قولان.
أحدهما: سوف يُعْلَم ، قاله ابن قتيبة.