وأما الخامس منها: وهو أنه ليس للإنسان إلا ما سعى ، فقد جاء موضحاً في آيات من كتاب الله ، كقوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] الآية. وقوله: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46] الآية وقوله: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى} يدل على أن الإنسان لا يستحق أجراً إلا على ما سعيه بنفسه ، ولم تتعرض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات ، لأن قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى} قد دلت اللام فيه على أنه لا يستحق ولا يملك شيئاً إلا بسعيه ، ولم تتعرض لنفي الانتفاع بما ليس ملكاً له ولا مستحقاً له.
وقد جاءت آية من كتاب الله تدل على أن الإنسان قد ينتفع بسعي غيره وهي قوله تعالى {والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21] .
وقد أوضحنا وجه الجمع بين قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى} وبين قوله: {والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ} الآية. في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة النجم ، وقلنا فيه ما نصه والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه ، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره ، لأنه لم يقل: وأن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى ، وإنما قال وأن ليس للإنسان ، وبين الأمرين فرق ظاهر ، لأن سعي الغير ملك لساعيه إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير ، وإن شاء أبقاه لنفسه.