لذلك نجد أن المشاعر والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب على اختلافها، فليس هناك مثلاً ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس هناك بكاء روسي، وبكاء ياباني.
ففي هذه الأمور يتحد الناس، حتى في الإشارة نجدها واحدة على اختلاف اللغات، الكل يفهمها لأنها أصل التفاهم بين البشر قبل وجود اللغات، فالإشارة لغة عالمية.
كذلك في قوله سبحانه: {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} [النجم: 44] أكد الضمير المتصل بالضمير المنفصل، لأن مسألة الإحياء والإماتة فيها شبهة المشاركة، فقد يظن البعض أن الطبيب مثلاً هو الذي أمات المريض أو أحياه، أو يظن أن القاتل هو الذي أمات القتيل.
فالحق سبحانه يختصّ لنفسه سبحانه بهذه الأمور له وحده سبحانه دون سواه {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} [النجم: 44] فالواقع أن القتيل حين قُتِل لم يُمتْه القاتل، إنما جاء أجله موافقاً لهذه الضربة فمات، مات لأنه سيموت في هذه اللحظة حتى لو لم يضربه القاتل.
لذلك قال سبحانه في موضع آخر:
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ..} [الملك: 2] فالموت والحياة خلق لله وحده لا دخلَ لأحد فيهما، لذلك قال الشاعر:
مَنْ لَمْ يُمُتْ بالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْره ... تَعدَّدَتْ الأسْبَابُ وَالموْتُ وَاحِدُ
وقالوا: والموت من دون أسباب هو السبب. يعني: مات لأنه سيموت.
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} [الجم: 45] لاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل: وأنه هو، لأن المسألة لا تحتاج إلى هذا التأكيد، فقضية الخلق الكل يُسلِّم بها لله، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، وليس فيها شبهة المشاركة من الخَلْق.
ومعنى (الزوجين) أي: النوعين الذكر والأنثى. فالزوج فرد معه مثله، كما جاء في قوله تعالى:
{ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ..} [الأنعام: 143] .
{مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} [النجم: 46] فأصل الخَلْق نطفة وهي قطرة المني.
{إِذَا تُمْنَى} [النجم: 46] أي: تُدفع وتلقى في رحم المرأة، فيكون منها الولد بقدرة الله.