وفي الآية معنى ثالث وهو انتهاء دلالة الموجودات على وجودِ الله ووحدانيتِه لأن الناظر إلى الكائنات يعلم أن وجودها ممكن غير واجب فلا بد لها من موجود ، فإذا خَيَّلت الوسوسة للناظر أن يفرض للكائنات موجداً مما يبدو له من نحو الشمس أو القمر أو النار لما يرى فيها من عِظم الفاعلية ، لم يلبَث أن يظهر له أن ذلك المفروض لا يخلو عن تَغير يدل على حدوثه فلا بد له من مُحدث أوْجَدَهُ فإذا ذهب الخيال يسلسل مفروضات الإِلهية (كما في قصة إبراهيم {فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي} [الأنعام: 76] الآيات) لم يجد العقل بُداً من الانتهاء إلى وجوب وُجودِ صَانع لممكنات كلها ، وجودُه غيرُ ممكن بل واجب ، وأن يكون متصفاً بصفات الكمال وهو الإِله الحق ، فالله هو المنتهى الذي ينتهي إليه استدلال العقل ، ثم إذا لاح له دليل وجود الخالق وأفضى به إلى إثبات أنه واحد لأنه لو كان متعدّداً لكان كلٌّ من المتعدد غيرَ كامل الإِلهية إذ لا يتصرف أحد المتعدِد فيما قد تصرف فيه الآخر ، فكان كل واحد محتاجاً إلى الآخر ليرضى بإقراره على إيجاد ما أوجده ، وإلا لقدر على نقض ما فعله ، فيلزم أن يكون كل واحد من المتعدد محتاجاً إلى من يسمح له بالتصرف ، قال تعالى: {وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} [المؤمنون: 91] وقال: {قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} [الإسراء: 42] وقال: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] فانتهى العقل لا محالة إلى منتهى.
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43)
انتقال من الاعتبار بأحوال الآخرة إلى الاعتبار بأحوال الحياة الدنيا وضمير {هو} عائد إلى {ربك} من قوله: {وأن إلى ربك المنتهى} [النجم: 42] .