وبهذا الجمع لاسم موسى في القرآن، يتضح أنه ورد في أربع وثلاثين سورة من سور القرآن، التي تبلغ أربع عشرة ومائة سورة، وأنه ذكر في السورة المكية أكثر من السور المدنية، وما ذلك إلا لما في قصته من ألوان التطمين لفؤاد النبي -صلى الله عليه وسلم- والتسلية له، عما كان يجده من قومه، ولِما في تكرار الحديث عن موسى من بيان لما كان عليه قومه من سوء الطبع وانطماس الفطرة، وانحرافهم عن منهج الله، ولموقفهم الحاقد الحاسد من دعوة الإسلام، حين رأوا دفة الرسالة تتحول عنهم إلى العرب من أبناء إسماعيل، ويتولاها عَلَم فذ ليس له مثيل في الأنبياء.
فكل نبي قبله كان يبعث إلى قومه خاصة، وبعث هذا الرسول إلى الناس كافة، وكل رسول قبله كان يرسل لفترة محدودة من الزمان، تبقى رسالته لعدد من السنوات، فتتغير المعالم وتنطمس الحقائق، وتهجم الأهواء على ما أنزل الله على هذا الرسول من وحي، فلا يبقى من وحي الله إلا بصيص من نور، لا يكاد يتضح به الطريق، فيرسل الله رسولًا آخر، وهكذا إلى أن ختمت الرسالات والنبوات بالنبي الخاتم محمد -صلى الله عليه وسلم- وأنزل عليه وحيًا لا يمحوه الزمان، تكفل القوي القادر بحفظه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9) .
فلم تستطع قوة في الأرض أن تغير فيه حرفًا، مع ما اعترى أهل الإسلام من ضعف وعجز، واحتلال لديارهم وضياع لهيبتهم، ومع شراسة عدوهم، ومحاولة أعداء الله أن
يطمسوا معالم هذا القرآن، وأنى لهم ذلك؟! وعين الله حارسة لكتابه حافظة لدينه، فماذا كان من أمر موسى ودعوته، وماذا فيها من معالم الهداية الإلهية؟ إن الله إذا أراد أمرًا هيأ له الأسباب.
لقد ذكر الله في سورة"يوسف"ما كان من أمر يوسف -عليه السلام- وقدر الله الذي جاء به إلى مصر، حتى تسنَّم فيها ذُرى المجد، وآتاه الله النبوة والملك، وأنه قال: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} (يوسف: 93) .