عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا وَفَّى؟» قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ»
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: وَفَى جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَجَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ وَفَّى فَعَمَّ بِالْخَبَرِ عَنْ تَوْفِيَتِهِ جَمِيعَ الطَّاعَةِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّهُ خَصَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَفَّى {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ، لَا مِمَّا خَصَّ بِهِ الْخَبَرَ عَنْ أَنَّهُ وَفَّى وَأَمَّا التَّوْفِيَةُ فَإِنَّهَا عَلَى الْعُمُومِ، وَلَوْ صَحَّ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ نَعْدُ الْقَوْلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِمَا نَظَرٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِمَا مِنْ أَجْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فَإِنَّ مِنْ قَوْلِهِ: {أَلَّا تَزِرُ} عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} غَيْرَهَا، بَلْ كُلُّ آثِمَةٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهَا عَلَيْهَا وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ، فِي قَوْلِهِ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} إِلَى قَوْلِهِ: {مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} قَالَ: «هَذَا فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى» وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الَّذِي ضَمِنَ لِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: أَلَمْ يُخْبَرْ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ، وَضَامِنُ هَذَا الضَّمَانِ بِالَّذِي فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ مَكْتُوبٌ: أَنْ لَا تَأْثَمُ آثِمَةٌ إِثْمَ أُخْرَى غَيْرِهَا {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}