أفرجوا لأخيكم، فقال الأعرابي: لا حاجة لي بإفراجكم إن أطنابي طوال يعني سواعده، فلما مد يده ضرط، فضحك يزيد، فقال يا أخا العرب: أظن أن طنبا من أطنابك قد انقطع.
ورؤي أعرابي يغطس في البحر ومعه خيط، وكلما غطس غطسة عقد عقدة، فقيل له: ما هذا؟ قال: جنابات الشتاء أقضيها في الصيف.
وسرق أعرابي غاشية من على سرج ثم دخل المسجد يصلي فقرأ الإمام: {هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ 1}
فقال: يا فقيه لا تدخل في الفضول، فلما قرأ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ 2}
قال: خذوا غاشيتكم ولا يخشع وجهي لا بارك الله لكم فيها ثم رماها من يده وخرج.
وحضر أعرابي مجلس قوم فتذكروا قيام الليل فقيل له: يا أبا أمامة أتقوم الليل؟ فقال: نعم. قالوا: ما تصنع؟
قال: أبول وأرجع أنام.
وسرق أعرابي صرة فيها دارهم ثم دخل المسجد يصلى، وكان اسمه موسى، فقرأ الإمام، وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى 17، فقال الأعرابي: والله إنك لساحر، ثم رمى الصرة وخرج.
وحكى الأصمعي قال: ضلت لي إبل، فخرجت في طلبها، وكان البرد شديدا، فالتجأت إلى حي من أحياء العرب، وإذا بجماعة يصلون وبقربهم شيخ ملتف بكساء، وهو يرتعد من البرد وينشد:
أيا ربّ إن البرد أصبح كالحا ... وأنت بحالي يا إلهي أعلم
فإن كنت يوما في جهنم مدخلي ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم
قال الأصمعي: فتعجبت من فصاحته، وقلت: يا شيخ أما تستحي تقطع الصلاة وأنت شيخ كبير، فأنشد يقول:
أيطمع ربّي أن أصلّي عاريا ... ويكسو غيري كسوة البرد والحرّ
فو الله لا صليت ما عشت عاريا ... عشاء ولا وقت المغيب ولا الوتر
ولا الصبح إلّا يوم شمس دفيئة ... وإن عمّمت فالويل للظهر والعصر
وإن يكسني ربي قميصا وجبّة ... أصلي له مهما أعيش من العمر
قال: فأعجبني شعره وفصاحته، فنزعت قميصا وجبّة كانا عليّ ودفعتهما إليه، وقلت له: البسهما وقم، فاستقبل القبلة، وصلّى جالسا وجعل يقول:
إليك اعتذاري من صلاتي جالسا ... على غير طهر موميا نحو قبلتي
فمالي ببرد الماء يا رب طاقة ... ورجلاي لا تقوى على ثني ركبتي
ولكنني استغفر الله شاتيا ... وأقضيكها يا ربّ في وجه صيفتي
وإن أنا لم أفعل فأنت محكم ... بما شئت من صفعي ومن نتف لحيتي
قال: فعجبت من فصاحته، وضحكت عليه وانصرفت.