قلنا: إن الكبائر جمع كبيرة ما توعد الله عليه بالعذاب في الآخرة، أو أقام عليه الحدَّ في الدنيا، وهذا فيما يتعلق بحقوق العباد، فالله سبحانه قدَّم حقَّ العباد على حقِّه تعالى، وجعل له القصاص العادل في الدنيا.
ألا ترون أن الله جعل أداء الدَّيْن مقدَّم على أداء فريضة الحج؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُصل على جنازة أحد الصحابة لأن عليه ديناً، وحثَّهم على قضاء دينه أولاً.
حتى أنهم قالوا في معنى"مَنْ حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"قالوا: هذا فيما يتعلق بحقِّ الله، أما حقوق العباد فتظل كما هي، إلى أنْ يكون الأداء أو القصاص، ذلك يُحدِثُ الردع ولا يجترئ الناس على التعدِّي وانتهاك الحرمات.
وقد علّمنا رسول الله هذا الدرس في دعائه:"اللهم ما كان لك منها فاغفره لي، وما كان لعبادك فتحمله عني"يعني: إنْ لم أقدر على الوفاء به.
لذلك قلنا في السارق الذي أسرف على نفسه وتمادى في هذه الجريمة، ثم أراد أنْ يتوب ماذا يفعل؟ لا بدّ أنْ يجهد في إعادة الحقوق إلى أصحابها، فإذا لم يقدر يحسب جملة ما سلبه من خَلْق الله ويتصدّق به بنية صاحبه، وحين يعلم الله منه صدق التوبة، فقد يتحمل عنه هذه الحقوق رحمة به.
نلاحظ أن الآية عطفت {وَالْفَوَاحِشَ.} النجم: 32] على {كَبَائِرَ الإِثْمِ ..} [النجم: 32] لأنها كلها كبائر، لكن الفواحش تضيف إلى الكبيرة صفة الفحش والقبح، فهي أعظم وأشدّ إثماً من الكبائر، لأنها منكر مستبشع.
وقد تكلم العلماء في الكبائر وربطوا بينها وبين الجوارح التي تُؤدَّى بها، فعمرو بن عبيد كان عالماً ورعاً يتجنب ما يفعله غيره من العلماء والشعراء من الدخول على الملوك والأمراء لنيْل عطاياهم، حتى قال فيه الشاعر، وذلك في العصر العباسي:
كلُّهُمْ طَالِبُ صَيْد ... غَيْر عَمْرو بن عُبَيْد
عمرو بن عبيد وقف عند مسألة الكبائر هذه، وأراد أنْ يسأل عنها أعلم أهل زمانه بالكتاب والسنة، فلم يجد أعلم من سيدنا جعفر الصادق بن سيدنا محمد الباقر بن سيدنا علي زين العابدين بن سيدنا الحسين بن سيدنا علي بن أبي طالب من السيدة فاطمة الزهراء.
وكان جعفر الصادق كثير البحث في آيات القرآن واستيعاب أسراره والتفتيش عن كنوزه، وكان يستنبط المعاني ويأتي بالدليل عليها.
ومن ذلك قوله: عجبتُ لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى:
{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}