في نفسها باردة يابسة، أشبهت الموت من أصل جبلتها في اليبوسة والبرودة القسوة؛
إذ أصلها من فيح الزمهرير ومن الهواء، وهو حار بارد؛ أي: في بعض آنائه حار
يابس، وفي بعض الآناء: حار رطب، وعلى نحو ما يكَون من ممتزج الفيحين اللذين
يكونان عن نفَسَي جهنم - أعاذنا الله برحمته منها - الزمهرير والسعير، ومن الماء
الموجود في الأغلب عن فتح رحمة الله، وقد امتزج بالأرض والهواء كما امتزج
الأرض والهواء بالماء، وقد ضرمت به جهنم مرتين سعيرها وزمهريرها.
وقد سبق علمه بأنه يخلقنا من هذا ومما امتزج من هذا، وينشؤنا من ذلك، ثم
أقرنا في الأرحام، نتغذى مع ذلك بأمشاج أخلاط البشرية الكائنة عن ذلك، يقلبنا
على ذلك في طبقات الخلقة، ومن المعهود شبه الأبناء بالآباء، فأنى لنا بالتزكي إلا
برحمته بواسطة الاجتباء منه والاصطفاء لنا؛ بل من أين لنا خروج من جهنم بعد
هذا أو نجاة منها وهي لنا إحدى الأميين واحدى الموضعتين، منقلب فيها ومأوى
إلا بأن يفنح لنا من رحمته كما كان يفتح لنا في الحياة الدنيا بالماء فينزله زلالاً،
فيخرج لنا به من كل الثمرات، ويفجر الأنهار عنه ويجري العيون(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ)
فيجيبه بروح الإيمان ويرسل إلى باطنه تباشير الهداية ويمطره من ماء التوبة ما ينبت
به في باطنه وظاهره ما يرضاه ويحبه من الأعمال الزكية والأقوال المرضية. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 5/ 207 - 221} ...