جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) . وهذا قول حق وخبر صدق وليس بمنكر ولا مردود
قول من جوز الرؤية العلية في الجنة.
وقد قال الله - جل من قائل: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى(17) .
ثُمَّ قال: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى(18) .
وصف - والله أعلم - للإسراء الأول المقول فيه: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11) . وكيف لا
يوصف ما رآه أنه من آيات ربه الكبرى إلى حيث ما وصفه، فكان ذلك رجوعًا فيِ
الإخبار إلى الإسراء الأول.
وبالجملة: فالرؤية تتفاضل في حق الرائيين كما تتفاضل رؤية الآيات في حق
الرائيين حتى أن منهم من لا يراها آية ألبتة، كذلك سماع القرآن منهم من لا يسمع
ما يقول إلا قولاً وصوتًا، ليست رؤية الرائي من رآه في المنام كرؤية الإسراء،
ولا رؤية الإسراء كرؤيته - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه في الجنة، ولا يستوي إمضاء
رؤية الرائيين له في الجنة، بل إنما الرؤية على قدر القرب والعلم والله أعلم، يقول
الحق وهو يهدي السبيل.
أتبع ذلك قوله: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) فأخبر الصادق - جلَّ جلالُه - أنها
رؤية بصر كما أخبر عن تلك بأنها رؤية فؤاد.
نظم بذلك قوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى(18) . وكأنه أوقع
رؤية البصر على رؤية الآيات، هذا على ظاهر الخطاب، وإنما هذه إخبار ورجوع
إلى الإسراء الأول، ويترجح معنى الخطاب إلى رؤية الله - عز جلاله - بقوله:
(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) والتنزل: فعل الرب - جلَّ ذكره - وهو بمعنى
الدنو المتقدم ذكره، فذكر نزلتين ورؤيتين:
الأولى: رؤية الفؤاد.
والأخرى: قال فيها: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) .
وقد جاء أن كعب الأحبار سأل ابن عباس عن هذه الآية فقال ابن عباس:"أما"
نحن بنو هاشم فنزعم أو نقول: إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه مرتين"."
قال كعب:"إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى - صلوات الله"
وسلامه عليهما - فكلم موسى ورآه محمد"."
وقال ابن عباس:"إن الله اصطفى بالخلة إبراهيم، واصطفى موسى بالكلام،"