وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بن سلام عن ابن عُيَيْنَةَ وَكَذَا ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِخَطِّهِ فِي كِتَابِهِ، وَغَيْرُهُ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ.
وَكَذَا رَوَيْنَاهُ عَنْ مسلم في حديث شفيان وغيره وقد تُحْمَلُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ «هَجَرَ» ؟ عَلَى حَذْفِ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ وَالتَّقْدِيرُ «أَهَجَرَ» .. أَوْ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْقَائِلِ هَجَرَ أَوْ أَهَجَرَ دَهْشَةً مِنْ قَائِلِ ذَلِكَ .. وَحَيْرَةً لِعَظِيمِ مَا شَاهَدَ مِنْ حَالِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشدّة وجعه والمقام الَّذِي اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ الَّذِي هَمَّ بِالْكِتَابِ فِيهِ، حَتَّى لَمْ يَضْبِطْ هَذَا الْقَائِلُ لَفْظَهُ وَأَجْرَى «الْهُجْرَ» مَجْرَى شِدَّةِ الْوَجَعِ .. لَا أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْهُجْرُ ..
كَمَا حملهم الإشفاق على حراسته والله يقول: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» وَنَحْوِ هَذَا.
وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ «أَهُجْرًا» وَهِيَ رواية أبي إسحاق المستملى في الصحيح حَدِيثِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ. فَقَدْ يَكُونُ هَذَا رَاجِعًا إِلَى الْمُخْتَلِفِينَ عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُخَاطَبَةً لَهُمْ مِنْ بَعْضِهِمْ .. أَيْ جِئْتُمْ بِاخْتِلَافِكُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ يديه هجرا ومنكرا من القول!!.
و «الهجر» بِضَمِّ الْهَاءِ الْفُحْشُ فِي الْمَنْطِقِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَكَيْفَ اخْتَلَفُوا بعد أمره صلّى الله عليه وسلم أَنْ يَأْتُوهُ بِالْكِتَابِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَامِرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْهَمُ إِيجَابُهَا مِنْ ندبها من إباحتها بقرائن.