الثاني: {إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} أي غير ثابتين على أمر ومن لا يثبت على قول لا يكون متيقناً في اعتقاده فيكون كأنه قال تعالى ، والسماء إنكم غير جازمين في اعتقادكم وإنما تظهرون الجزم لشدة عنادكم وعلى هذا القول فيه فائدة وهي أنهم لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تعلم أنك غير صادق في قولك ، وإنما تجادل ونحن نعجز عن الجدل قال: {والذريات ذَرْواً} أي أنك صادق ولست معانداً ، ثم قال تعالى: بل أنتم والله جازمون بأني صادق فعكس الأمر عليهم.
الثالث: إنك لفي قول مختلف ، أي متناقض ، أما في الحشر فلأنكم تقولون لا حشر ولا حياة بعد الموت ثم تقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة ، فإذا كان لا حياة بعد الموت ولا شعور للميت ، فماذا يصيب آباءكم إذا خالفتموهم ؟ وإنما يصح هذا ممن يقولون بأن بعد الموت عذاباً فلو علمنا شيئاً يكرهه الميت يبدي فلا معنى لقولكم إنا لا ننسب آباءنا بعد موتهم إلى الضلال ، وكيف وأنتم تربطون الركائب على قبور الأكابر ، وأما في التوحيد فتقولون خالق السماوات والأرض هو الله تعالى لا غيره ثم تقولون هو إله الآلهة وترجعون إلى الشرك ، وأما في قول النبي صلى الله عليه وسلم فتقولون إنه مجنون ثم تقولون له إنك تغلبنا بقوة جدلك ، والمجنون كيف يقدر على الكلام المنتظم المعجز ، إلى غير ذلك من الأمور المتناقضة.
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9)
وفيه وجوه.
أحدها: أنه مدح للمؤمنين ، أي يؤفك عن القول المختلف ويصرف من صرف عن ذلك القول ويرشد إلى القول المستوي.
وثانيها: أنه ذم معناه يؤفك عن الرسول.
ثالثها: يؤفك عن القول بالحشر.
رابعها: يؤفك عن القرآن ، وقرئ يؤفن عنه من أفن ، أي يحرم ، وقرئ يؤفك عنه من أفك ، أي كذب.
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10)