أقول: ولعل تضمين (استغفر) معنى (جار) أو (تهجد) أو (رفَّ) والمتعدي بالباء أولى من تعاور الحروف. إنهم أيقاظ في جنح الليل متهجدون بالأسحار متوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام لا يهجعون تخف بهم مكابدة السهر نشِطوا للقيام .... فهم يجأرون بأصفى الأوقات وأقربها إلى المولى عز وجل يطلبون قضاء الحاجات من محو الذنوب وستر العيوب وشفاء القلوب. فالأسحار حصون التائبين والمتهجدين، وملاذ المستغفرين وملجأ المنيبن، يلحون بالدعاء، فإن اللَّه ينزل عند السحر إلى السماء الدنيا يقول: هل من مستغفر فأغفر له. ويبقى الحرف في وحي التضمين كالسراج المنير، من أبطله بحجة التناوب والتعاور فقد أطفأ نوره وطمس بيانه، ومن محاسنه أنه جمع بوحي هذه الباء إلى الاستغفار التهجد للضراعة والاستغاثة. فإن أنت تأملته أعطاك مقادته وجلى عليك محاسنه، وإن تناكرته سدَدْت عليك باب الحُظْوة به، أما العلاقة بين الجؤار والاستغفار فجدّ وثيقة .. الاستغفار رجوع إلى السلامة، لدى محو السيئات، وعلاج الآفات، وزوال الكربات وفي هذا الرجوع أية فرحة ... إنها رفيف المني .. والغيث المغيث .. فيها ذلة وضراعة وابتهال ...
(فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(39)
في لسان العرب: الولاية معناها العزة والنُصرة والمَنعة.
وذكر الجلالين: الباء بمعنى مع جنوده لأنهم له كالركن. وتولى معنى أعرض.
وروى الطبري: معناها أدبر بقومه من جنده وأصحابه أي مع قومه.
وقال قتادة: غلب على قومه. وقال مجاهد: بعضده وأصحابه.
وقال الزمخشري: فازور وأعرض ونأى بجانبه. ومثله أبو حيان.
وقال البروسوي: ثنى عِطفه فأعرض عن الإيمان به وازور.
وذكر الآلوسي: فأعرض عن الإيمان بموسى، على أن ركنه جانب بدنه وعطفه.
والتولي: كناية عن الإعراض والباء للتعدية لأنه ثنى عِطفه، أو للملابسة أو المصاحبة. وكونها للسببية غير وجيه. وقيل: تولى بقوته.
أقول: من معاني صيغة (تفعَّل) الاتخاذ ومعناها هنا اتخذ وليا أي ناصرا ومعينا وعاصما. وعليه يكون (تولى) متضمَّنا معنى (اعتصم) بركنه.
وركن فرعون: جنوده وأصحابه وقومه وقوته كما مرّ وليس هو جانب البدن والعطف، فرعون إذاً يعتصم بقومه وقوته وجنده متهماً موسى بالسحر والجنون.