في عصرنا هذا ، ووقف على ما وقفنا عليه من عجائب الرحلات الفضائية ، ماذا كان يقول ؟ إن كل مسلم ينبغي أن يكون له من العقل الواعي المتفتح ، والنظر الثاقب البعيد ما لهذا الإمام الكبير.
وإليك ما قاله عالم حافظ ناقد ، سبق الإمام الآلوسي بنحو خمسة قرون1: فقد قال في تفسيره عند هذه الآية: وقد روي عن السلف أنهم قالوا:"ق": جبل محيط يجمع الأرض يقال له: جبل قاف ، وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس ، لما رأى من جواز الرواية عنهم ، مما لا يصدق ، ولا يكذب ، وعندي: أن هذا ، وأمثاله ، وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم يلبسون به على الناس أمر دينهم ، كما افترى في هذه الأمة ، مع جلالة قدر علمائها ، وحفاظها ، وأئمتها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وما بالعهد من قدم ، فكيف بأمر بني إسرائيل مع طول المدى ، وقلة الحفاظ النقاد فيهم ، وشربهم الخمور ، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه ، وتبديل كتب الله وآياته ، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله:"حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، فيما قد يجوزه العقل ، فأما فيما تحيله العقول ، ويحكم فيه بالبطلان ، ويغلب على الظنون كذبه ، فليس من هذا القبيل. والله أعلم2.
قال: وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين ، وكذا طائفة كثيرة من الخلف ، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب ، في تفسير القرآن المجيد ، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم ، ولله الحمد والمنة ، حتى أن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمة الله عليه أورد هنا أثرًا غريبًا ، لا يصح سنده عن ابن عباس ، ثم ساق السند ، والمتن الذي ذكرناه آنفا.
ثم قال: فإسناد هذا الأثر فيه انقطاع ؛ أي: راوٍ سقط من رواته ، والذي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل:"ق": هو اسم من أسماء الله عز وجل والذي ثبت عن مجاهد وهو من تلاميذ ابن عباس الملازمين.
1 الإمام ابن كثير توفي سنة 774هـ ، والإمام الآلوسي توفي سنة 1270هـ.
2 تفسير ابن كثير. والبغوي ج 8 ص 37.