والقول الثاني: أنّ الله أمر رسوله أن ينذر الجنّ، ويدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفرًا منهم يستمعون القرآن، وينذرون قومهم، وذلك لأنّ الجنّ مكلّفون، لهم الثواب، وعليهم العقاب، ويدخلون الجنة، ويأكلون فيها، ويشربون كالإنس، فانتهض النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة، وقال:"إنّي أمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة القرآن، فأيكم يتبعني"فأطرقوا، فتبعه عبد الله بن مسعود، قال عبد الله بن مسعود: ولم يحضر معه أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة .. دخل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - شعبًا يقال له: شعب الحجون، وخط لي خطّا، وأمرني أن أجلس فيه، وقال لي: لا تخرج حتى أعود إليك، فانطلق حتى وصل إليهم، فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي، وسمعت لغطًا شديدًا، حتى خفت على نبيّ الله، وغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى لم أسمع صوته، ثمّ طفقوا يتقطّعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ النبيّ منهم مع الفجر، فانطلق إليّ، فقال لي:"قد نمت"، فقلت: لا والله، ولكنّي هممت أن آتي إليك لخوفي عليك، فقال - صلى الله عليه وسلم - لي:"لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم، فأولئك جنّ نصيبين": بلدة قاعدة ديار ربيعة أو مدينة بالشام أو باليمن. فقلت: يا رسول الله، سمعت لغطًا شديدًا، فقال:"إنّ الجنّ اختصموا في قتيل قتل بينهم، فتحاكموا إليّ فقضيت بينهم بالحقّ". وكانت عدة هؤلاء الجن اثني عشر ألفًا.
وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال: سألت ابن مسعود من آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنّ ليلة استمعوا القرآن؟ قال: آذنته بهم الشجرة.