وسرعة المشهد هنا مقصودة. فالمواجهة حاسمة ، ولا مجال لأخذ ولا رد. لقد كانوا ينكرون فالآن يعترفون. والآن يذوقون!
وعلى هذا المشهد الحاسم في مصير الذين كفروا ، وعلى مشهد الإيمان من أبناء عالم آخر. وفي ختام السورة التي عرضت مقولات الكافرين عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن القرآن الكريم.. يجيء الإيقاع الأخير. توجيهاً للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يصبر عليهم ، ولا يستعجل لهم ، فقد رأى ما ينتظرهم ، وهو منهم قريب:
{فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ، ولا تستعجل لهم ، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار. بلاغ. فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} ..
وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم ؛ وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال ، والمعاني والإيحاءات ، والقضايا والقيم.
{فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. ولا تستعجل لهم} ..
توجيه يقال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي احتمل ما احتمل ، وعانى من قومه ما عانى. وهو الذي نشأ يتيماً ، وجرد من الولي والحامي ومن كل أسباب الأرض واحداً بعد واحد. الأب. الأم. والجد. والعم. والزوج الوفية الحنون. وخلص لله ولدعوته مجرداً من كل شاغل. كما هو مجرد من كل سند أو ظهير. وهو الذي لقي من أقاربه من المشركين أشد مما لاقى من الأبعدين. وهو الذي خرج مرة ومرة ومرة يستنصر القبائل والأفراد فرد في كل مرة بلا نصرة.