ووقع الحق والهدى في هذا القرآن هائل ضخم ، لا يقف له قلب غير مطموس ؛ ولا تصمد له روح غير معاندة ولا مستكبرة ولا مشدودة بالهوى الجامع اللئيم. ومن ثم لمس هذه القلوب لأول وهلة ، فإذا هي تنطق بهذه الشهادة ، وتعبر عما مسها منه هذا التعبير.
ثم مضوا في نذارتهم لقومهم في حماسة المقتنع المندفع ، الذي يحس أن عليه واجباً في النذارة لا بد أن يؤديه:
{يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ، يغفر لكم من ذنوبكم ، ويجركم من عذاب أليم} ..
فقد اعتبروا نزول هذا الكتاب إلى الأرض دعوة من الله لكل من بلغته من إنس وجن ؛ واعتبروا محمداً - صلى الله عليه وسلم - داعياً لهم إلى الله بمجرد تلاوته لهذا القرآن واستماع الثقلين له: فنادوا قومهم: {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به} ..
وآمنوا كذلك بالآخرة ، وعرفوا أن الإيمان والاستجابة لله يكون معهما غفران الذنب والإجارة من العذاب. فبشروا وأنذروا بهذا الذي عرفوه.
ويروي ابن إسحاق أن مقالة الجن انتهت عند هذه الآية. ولكن السياق يوحي بأن الآيتين التاليتين هما من مقولات النفر أيضاً. ونحن نرجح هذا وبخاصة الآية التالية:
{ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ، وليس له من دونه أولياء. أولئك في ضلال مبين} .
فهي تكملة طبيعية لنذارة النفر لقومهم فقد دعوهم إلى الاستجابة والإيمان. فالاحتمال قوي وراجح أن يبينوا لهم أن عدم الاستجابة وخيم العاقبة. وأن الذي لا يستجيب لا يعجز الله أن يأتي به ويوقع عليه الجزاء. ويذيقه العذاب الأليم ؛ فلا يجد له من دون الله أولياء ينصرونه أو يعينونه. وأن هؤلاء المعرضين ضالون ضلالاً بيناً عن الصراط المستقيم.
وكذلك الآية التي بعدها يحتمل كثيراً أن تكون من كلامهم ، تعجيباً من أولئك الذين لا يستجيبون لله ؛ حاسبين أنهم سيفلتون ، أو أنه ليس هناك حساب ولا جزاء: