وما أودعه الله طبيعة هذه الأرض في موقعها الكوني الخاص من صلاحية لنشوء الحياة فوقها، ومن خصائص دقيقة مقصودة متراكبة متجمعة متناسقة. لو اختلت خصيصة واحدة منها أو تخلفت ما أمكن أن تقوم فيها الحياة أو تدوم!
وكل شيء في هذه الأرض وكل حي .. آية .. وكل جزء من كل شيء ومن كل حي في هذه الأرض .. آية .. والصغير الدقيق كالضخم الكبير .. آية .. هذه الورقة الصغيرة في هذه الشجرة الضخمة أو النبتة الهزيلة .. آية .. آية في شكلها وحجمها، آية في لونها وملمسها. آية في وظيفتها وتركيبها. وهذه الشعرة في جسم الحيوان أو الإنسان .. آية .. آية في خصائصها ولونها وحجمها. وهذه الريشة في جناح الطائر .. آية .. آية في مادتها وتنسيقها ووظيفتها. وحيثنما مد الإنسان ببصره في الأرض أو في السماء تزاحمت الآيات وتراكبت، وأعلنت عن نفسها لقلبه وسمعه وبصره.
ولكن، من الذي يرى هذه الآيات ويستشعرها؟ لمن تعلن هذه الآيات عن نفسها؟ لمن؟
{للمؤمنين} ..
فالإيمان هو الذي يفتح القلوب لتلقي الأصداء والأضواء والأنداد؛ والإحساس بما فيها من آيات الله المبثوثة في الأرض والسماء. والإيمان هو الذي تخالط القلوب بشاشته فتحيا وترق وتلطف؛ وتلتقط ما يذخر به الكون من إيحاءات خفية وظاهرة، تشير كلها إلى اليد الصانعة، وطابعها المميز في كل ما تصوغه وتبدعه من أشياء ومن أحياء. وكل ما خرج من هذه اليد فهو خارق معجز لا يقدر على إبداعه أحد من خلق الله.
ثم ينتقل بهم السياق من آفاق الكون إلى ذوات أنفسهم؛ وهي أقرب إليهم، وهم بها أكثر حساسية:
{وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون} ..
وخلق هذا الإنسان بهذا التكوين العجيب، وبهذه الخصائص الفريدة، وبهذه الوظائف اللطيفة الدقيقة المتنوعة الكثيرة. خارقة. خارقة نسيناها لطول تكرارها، ولقربها منا! ولكن التركيب العضوي لجارحة واحدة من جوارح هذا الإنسان مسألة تدير الرأس عجباً ودهشة واستهوالاً لهذا التركيب العجيب!