قال ابن كثير: يعني إذا أراد الشيطان أن يسترق السمع ، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه ؛ ولهذا قال جل جلاله: {لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى} أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى ، وهي السماوات , ومن فيها من الملائكة ، إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى بما يقوله من شرعه وقدره ؛ كما وردت الأخبار بذلك في تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] ، انتهى .
قال بعض علماء الفلك: كما أن العرش تحفّة الأرواح الغيبية - حسبما تقدم بيانه في آية: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] ، في الأعراف - فكذلك الكواكب الأخرى مسكونة مع الحيوانات ، والدواب بأرواح ، منها الصالح: الملك ، ومنها الطالح: الشيطان ، وكذلك أرضنا هذه ، فيها من الملائكة ، ومن الشياطين مالا نبصره: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] .
ولا يخفى أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، فعدم إدراكنا لهذه الأرواح لا يدل على عدم وجودها ؛ كما أن عدم معرفة القدماء للميكروبات وللكهرباء التي تشاهد الآن آثارها العظيمة ، لم يكن يدل على عدم وجودها إذ ذاك في العالم ، فمن الجهل الفاضح إنكار الشيء لعدم معرفته أو العثور عليه ، على أن لنا الآن من مسألة استحضار الأرواح أكبر دليل على وجود أرواح في هذه الأرض ، لا نبصرها ولا نشعر بها .