العمل حسناً أو سيئاً. ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل} لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات. وقوله {فاكهون} مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور با بالويل والثبور.
وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل ، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب. وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها. وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار. وقيل: التزاور. وقيل: ضيافة الله. وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم. والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة. والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل. وقيل: أراد أشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله {وآخر من شكله أزواج} [ص: 58] قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله {هم وأزواجهم في ظلال} إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله {لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً} [الدهر: 13] وقوله {على الأرائك متكئون} دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ. وقوله {لهم فيها فاكهة} إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.