مدلول آخر، يقول: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ
تُوقِدُونَ (80) .
يقول - جل ذكره: النار حارة يابسة، والشجر الأخضر بارد رطب، والنار غيب
في هذه الدار إلى أن يقدح فتقدح كالأحياء يظهر الله بها الحياة من حال عدمها
فيحيي بها المحل، كذلك النار بما هي بحكم في الشجر الأخضر فيذهب حرارتها
ويبسها رطوبة الشجر وبرودتها، فإذا هي نار تتوقد بإذن جاعلها وخالقها، كذلك
الحياة حارة رطبة، والموت بارد يابس، فمتى أراد المميت - جل ذكره - إماتة محل
حكم فيه الموت فأذهبت برودته ويبوسته رطوبة الحياة وحرارتها، فإذا المحل ميت،
ومتى أراد المميت المحي - عز وجل - إحياء ذلك المحل حكم فيه الحياة فأذهب حرارتها
ورطوبتها برودة المحل ويبوسته، ثم قال له: (كن فيَكُون) على وفق
مشيئته، فإذا هو حي كما قال: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا
مُحْضَرُونَ (53) . (قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) .
هذا تبيان لنا في المراد على معهود سنن السنة، وأمَّا على حكم الكلمة فهو
الواحد القهار ما شاء الله لا قوة إلا بالله، كذلك أبطن الحياة على ما هي عليه من
الحرارة والرطوبة في النبات على ما فيه من الرطوبة والبرودة، والنار على ما فيها
من الحرارة واليبوسة، جمع ذلك كله في الشجر الأخضر على اختلاف الأوصاف
وتباعد الصفات.
يقول: الذي فعل في الشجر هو فاعل هذا في الأجسام البالية ورميم العظام
الفانية، وقد أنشأها أول مرة دون اعتياض ولا تعدد، فما بال الآخرة تعجزه والحياة
إلى الموت أقرب وصفًا من النار إلى الشجر الأخضر لحصول الحرارة في الحياة
وليس لها في الشجر من أوصافها وصف سوى وصف البرد، وإنما هو لضدها منها
وهو زمهرير، فافهم وتثبت، والنار تكون في شجر الكلح والمرخ وغيرهما.
وبالجملة: فجهنم فيما هاهنا غيب على ما يبدو منها من فيح نفسها، وكذلك
الجنة غيب على ما يبدي اللَّه عنها بفتح رحمته، هذا فعل الله - جل ذكره - وأمَّا ما
عبر عنه رب العالمين من استخراجنا إياها باكتساب منا لذلك بقوله: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ