لقبائحه وعظيم جرائمه، بل يدعو إلى نفسه ويدَّعي النبوة فيكذب على الله تعالى
وربما دعا إلى نفسه واستعبد العباد وادَّعى الربوبية من دون الله.
وبالضد أين كان حاله إذ كان نطفة من كونه خصيمًا لأعداء الله، مبينًا عن نفسه
وما في قلبه من حقائق معرفة الله بأسمائه وصفاته، ينظر ويعتبر، ويرى بنور إيمانه
الدار الآخرة بأهوالها، والصراط والحوض والميزان والجنة والنار ماثلاً كله بين
عيني فؤاده، وربما مصر الأمصار وجند الجنود واقتاد الجيوش وعلم العلوم وعبر
عن ربه من وحيه، وكان لسانًا من ألسنة الله بين عباده وعينًا من عيونه في أرضه.
هذا إلى قربه من ربه - جل ذكره - وولايته وتكليمه إياه ومحادثته وإلهامه،
وكونه منه موضع النظر والسعي والبطش والسمع والبصر، يجيب دعاءه ويكرم
صوته، ويرحم تضرعه ويحب أعماله، يكشف به البأساء، ويدفع لأجله عن أهل
الأرض البلاء، ويفتح له أبواب السماء بالرحمة وينزل به البركات والنصر، بل أين
حاله نطفة من كونه خليلاً للرحمن - عز جلاله وتعالى علاؤه وشأنه - ومصطفى
ونبيًّا ورسولاً يسأل بينه وبين عباده ويرشدهم إليه سبحانه وله الحمد، ما أكرم
صنيعه وأتقن ما خلقه!.
أين كانت حاله هذه أو التي قبلها من حاله نطفة من ماء مهين أصلها الطين؟
أليس الذي بلغ النطفة إلى ما تقدم وصفه وأنهى الطين هذه النهاية وإلى أعلى من
هذا وأفخم أن يعجل في النطفة ما أخره، ويظهر فيها ما أبطنه، ويبطن ما أظهره، وما
هذا في القدرة بأعجب من فسح القبر سبعين ذراعًا وللغريب مقدار ما بينه وبين
بلده، وأن يجعل القبر روضة من رياض الجنة، ومن تحقيق حال يقتضي قول الله -
جل من قائل: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ(88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)
إلى آخر السورة.
قوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78)
أحالهم - جل ذكره - أولاً على الاعتبار بالنشأة الأولى، ليعلموا بذلك
صحة النشأة الآخرة، وبالبدأة على العودة، ثم ضرب مثلا يدل به دلالة أخرى على