ولقد قدر سلفنا رضوان الله عليهم هذه الكلمة حق قدرها ، فوضعوا لها الحدود ، ورسموا لها الضوابط ، وفهموا معناها الحقيقي الذي يستفاد منها ، فما كان يدعيها إلا من هو أهل لها ، إذا كانوا يدركون معنى اقتحام لجج الفتوى ، وخطر في غمارها ، بإدراكهم أن الجرأة على الفتوى جرأة علي النار .
فحرصوا علي الإتباع ، دون الابتداع ، والنَّصَفَةِ من النفس والهوى ، إلاَّ أن هذه الكلمة برقت في عصرنا بريقاً لم تبرقه في يوم من الأيام ، ولكنها في نفس الوقت ، فقدت معناها فقداناً لم تفقده في يوم من الأيام ، على قلة ما عندنا من العلم ، وكثرة ما كان عند سلفنا منه ، وهكذا يستسيغ الجاهل الكلام .
لأنه إن أخذ الكلمة بمعناها الحقيقي ثقلت في سمعه ، ومن ثم ثقلت في عقله ، ومن ثم لفْظِها ، لأن أخلاط فكره لم تستطع التفاعل معها ، كما يأبى الجسد المريض شربة العسل .
نعم.... لقد برقت هذه الكلمة في عصرنا ، وصار يدعيها كل غِرٍّ جاهل ، وكل مغالط مخادع.
حتى وصل الأمر في دعواها إلى أن ادعاها من لا صلة له بعلوم الشرع من قريب أو بعيد ، بل ربما ادعاها بعض من لا خلاق له.
ونحن لا ننكر على من لم يدرس علوم الشرع أن يصير مجتهداً بعد أن يتعلم ، فالعلم بالتعلم ، وفضل الله واسع يؤتيه من يشاء ، ولكننا ننكر عليه أن يكون مجتهداً قبل أن يصل إلى رتبة الاجتهاد في العلم
فمن تطبب بغير طب فقد برئت منه ذمة الإسلام ، ومن قال في الدين برأيه وبما لا يعلم فقد أعظم الفرية علي دين الله ، فليتبوأ مقعده من النار.
إننا لا ندعي غلق باب الاجتهاد ، ولا نريد أن نمنع الناس منه ، ولكننا نريد أن نقول للناس: قبل أن تجتهدوا تعلموا.
فليس الاجتهاد بالتحلي ، ولا بالتمني ، ولكنه ببلوغ درجة معينة من العلم يستطيع المرء بواسطتها أن يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها.