لقد كان أحد الطلاب العلم يقرأ عندي الفقه ، وكان يقرأ في مباحث الصلاة ، فوصل إلى قول المؤلف:"ويندب سَدَّ فُرْجَة في الصفِّ"أي يندب للمصلي إذا وجد فرجة أي مكاناً خالياً في الصف أمامه أن يسدها ، حتى يكون الصف متكاملاً متراصاً ، إلا أن كلمة الفرجة كانت بدون نقط فوق التاء المربوطة ، فتصحفت الكلمة عليه ، وقرأها:"ويندب سَدَّ فَرْجِهِ في الصف".
فقلت له لأتأكد من سمعي لما سمعت: وما المراد بسد الفرج؟
قال: أن يسد فرجه
قلت: وبم يسده ؟
قال: بشيء من الورق أو القطن .
قلت: ولم يسده ؟
قال: حتى يتأكد من الطهارة ، وعدم نزول شيء من البول في ثيابه.
فضحك كل من في المجلس لهذا التصحيف القبيح ، إلا أنه رغم هذا لا يعاب على الطالب أن يقع في مثل هذا - كما ذكرت - لأنه مقر بالخطأ ، راغب في تصحيحه ، وقد سلك إلى ذلك الطريق السليم بالتلقي عن الأستاذ والمرشد ، فلا حرج عليه ، فيما قد يقع منه ، لأن أستاذه سيصححه له .
فلما صححت للطالب العبارة ، وعرف الحقيقة ، استرجع واستغفر ، وزاد حرصاً على طلب العلم ، حتى لا يقع ثانية في مثل هذا الخطأ.
ولكن الأمر المعيب في الجاهل ، أن يأخذ العلم من الكتاب ، دون وجود المعلم ، ويفهَمَهُ كما يزينه له جهله ، وفوق هذا كله يريد أن يجعله دستور الحياة ، والفهم القويم للدين ، من تبعه رشد ، ومن أعرض عنه غوى ، وهنا تكون الطامة ، ويكون ما يأتي به من التصحيف ، والتحريف ، والفهم الخطأ فاكهة المجالس ، وأقل ما يناله ممن عرف الحقيقة من أهل العلم الذم ، وهنا يقال فيه: من خاض في فن غير فنه أتى بالعجائب.
آثار الجرأة على الفتوى والاجتهاد بغير علم
إن كلمة الاجتهاد كلمة براقة ، تستهوي العقول ، وتستمل النفوس ، وما من امرئ إلا ويتمنى الوصول إليها ، والتحلي بها ، فهي ذروة ما يصل إليه الإنسان في علوم الشرع من الكمال ، ونهاية ما يبدع به العقل من الإتقان.