وأن الأول إذا اجتهد فأخطأ ، فله أجر واحد على الاجتهاد ، لأنه أهل له ، والثاني ، إذا اجتهد فأصاب ، فإنه يعاقب ، لأنه ليس من أهل الاجتهاد ، وإصابته خطأ من أخطائه ، ورب رمية من غير رام.
وأن الأول يمتدح من هذا الخطأ:
فمن ذا الذي تحمد سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
وأما الثاني فإنه يذم بذاك الخطأ ، ويقال له:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وقد ذكر الأدباء هذا المثال عن الجاحظ للدلالة على علو قدره ، بأنه ما يفوته شيء من كلام العرب . فكيف فاته هذا ، وللدلالة على تواضعه ، وذلك أنه أدرك خطأه ، وندم عليه ، ونبَّه الناس له
بينما يسوقون ما يصدر عن الجهال لبيان مدى ما يمكن للجهل أن يفعله بصاحبه فهم لا يذمون الجاهل على أنه أخطأ ، فالخطأ منة طبيعته ، بل من طبائع البشر ، وإنما يذمونه على إصراره على جهله ، وتصويره له على أنه الحق الذي يجب أن يتبع ، كما يذمونه على الخوض فيما ليس هو أهلاً له ، إذ من خاض في فن غير فنه أتى بالعجائب.
تصحيف طلاب العلم
وكما أن الخطأ قد يقع من العالم ، فيغتفر له ، ولا يعاب عليه ، بل ربما قيل فيه:"كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه"لأن الخطأ من لوازم البشر ، كذلك قد يقع الخطأ من طالب العلم ، فيصحف ، ويحرف ، ويصحح له الأستاذ ، أو المرشد ، ولا يعيب عليه أيضاً ، فشيء طبيعي في الطالب أن يقع في مثل هذا أثناء الطلب ، وهو حينما جاء إلى الأستاذ أو المرشد ، إنما جاء ليتعلم ، ويخرجَ عما قد يقع فيه من مثل تلك الأخطاء ، وإنما كان المعلم معلماً لأنه يعلمُ ويرشدُ ويدل على الصواب والخطأ .