وتنوقل عنه هذا الفهمُ والشرحُ ثم استدرك على نفس ، وانكشف له خطؤه فيما ذهب إليه من المعنى بزوال الغشاوة التي غطت على عقله في ذلك الوقت ، لتبرهن له على الفرق بين المخلوق الذي له طاقات محدودة ، يحيط بها العجز ، ويتطرق إليها الخطأ ، ويعتريها النسيان ، وما شابه هذا من العيوب ، والخالقِ الذي لا يتطرق الخلل ، في أبسط مادة من مواده ، إلى كلامه ، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، وبهذا يعرف حقيقته ، حتى لا يُغَرَّ بها ، ويذهب بها مذهباً لا يليق بها ، من تصور الإلهام والعصمة لها ، وليفهم من جديد معنى قوله تعالى:]وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [] النساء / 82[
وذلك أن مراد الشاعر باللحن في شعره هو اللحن الذي يراد به الكلام الإشاري ، كالتورية عند علماء البلاغة ، يقول الإنسان كلاماً له معنى ظاهرٌ ، إلاَّ أن المتكلم يريد له معنى آخر غير هذا الظاهر ، فيقال: لحن بقوله ، إذا فعل مثل هذا ، ومنه قوله تعالى:]فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ]محمد / 30[
ومعنى ما قاله الشاعر: أن هذه المرأة تتكلم في بعض الأحيان كلاماً له معنى يختلف عن معناه الظاهر ، لا يفهمه عنها إلاَّ من فطِن لمرادها ممن له صلة بها ، فهي تلحن في منطقها لحن الإشارة والتعريض ، لا لحن الإعراب ، وخير الحديث في مثل هذه الحالة ما كان لحناً ، لأنها تشير إلى ما تريد من مخاطبها بما لا يفهمه عنها أحد سواه .
فقيل للجاحظ: هلا تداركت هذا يا أبا عمرو.. فقال أنى وقد سارت به الركبان... (1)
وأقول: نعم ، قد يقع مثل هذا لكثير من العظماء والكبار ، إلاَّ أن الفرق بين وقوعه من مفكر ، عبقري ، عظيم ، أو إمام متقن جليل ، وبين وقوعه من جاهل ، أن وقوعه من الأول نادر ، لا يتصور منه ، ولذلك يصير نادرة ومثلاً ، بينما وقوعه من الثاني ، بل لا يتصور منه غيره .