وقرأ بعضهم قول الفقهاء عن صفة القبر ، وأنه يستحب أن يسويَّ اللَّبِنُ تحته ، فلما حضر دفن أحد الموتى ، أحضر معه قدر لبنٍ وأراقه في القبر ، فلما قيل له في هذا ، قال: لقد قرأت هذا في الكتاب ، وأنه يندب أن يسوى الَلَّبَنُ في القبر قبل الدفن ... وليبرهن على صدق كلامه ، أحضر الكتاب ، فكان البرهان على سوء فهمه .
وقرأ بعضهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا سمعتم النداء إلى الصلاة ، فلا تأتوها وأنتم تَسْعَون ، ولكن ائتوها بِسَكِيْنَةٍ ووقار ) ).
والكتابة في الماضي لم تكن منقطة كالكتابة في الوقت الحاضر ، ولم يكن قد تلقى الحديث عن الشيوخ ، وإنما بفهمه وهمته ، فقرأه: (( ولكن ائتوها بِسَكِّيْنَةٍ وفار ) )فوضع في جيبه سكينة وفأراً وذهب بهما إلى المسجد...
والنوادر من هذا القبيل كثيرة جداً ، يمكن أن يصنف فيها كتاب كامل ، يكون حافلاً بعجائب مما يمكن للجهل أن يظهره ويفعله ، وللعقل أن يقف عليه ويتأمله ، ليرى من خلاله أثر نعمة الله على عباده بنعمة العقل ، ونعمة الهداية بتثقيفه بالطريق السليم للعلم والثقافة .
وأنا لا أريد الاستطراد بضرب الأمثلة من هذا النوع ، فحسبي ما ذكرت للوصول إلى ما أريد أن أقوله ، أو أردت.
ولكني قبل أن أقول ما أريد قوله أحب أن أستدرك على ما قلت مما يمكن أن يقال: من أن التصحيف ، والتحريف ، وسوء الفهم كما يقع للجاهل ، يمن أن يقع للعالم ، ولا يكون سبباً للذم.
تصحيف العالِم والفرق بينه وبين تصحيف الجاهل
فها هو الجاحظ شيخ شيوخ العربية وآدابها ، وإمام أئمتها وإمامها ، يقرأ قول مالك بن أسماءَ بن خارجة:
وحديثٍ أَلَذُّه وهو مما ... ينعَتُ الناعتون يوزنُ وزنا
منطقٌ صائبٌ وتلحنُ أحياناً ... وخيرُ الحديثِ ما كان لحنا
ويفسرُ اللحن بأنه الخطأ في الإعراب ، وإن من جملة محاسن المرأة أن تلحن في منطقها لحن الخلل بقواعد العربية ، إذ ذهب في البيتين على أنهما سيقا لمدحها بهذا .