ولقد كان العلماء في الماضي يبلغون الدرجة العليا في حفظ القرآن ، والسنة ، ولغة العرب ، ويتقنون الفقه وأصوله ، وما كان الواحد منهم يدعي الاجتهاد .
فلو درسنا سيرة حفاظ الأمة جميعاً ، لوجدناهم متمذهبين بمذاهب الأئمة المتقدمين من أصحاب السنن ، إلى الدارمي ، والدارقطني ، والحاكم ، والبهيقي ، وابن عساكر ، وابن الصلاح ، والعز بن عبد السلام ، والنووي ، والذهبي ، والمزي ، والعراقي ، وابن حجر ، والسيوطي ، وغيرهم ممن لا سبيل إلى حصرهم.
فما بال المغمورين الذين يدعون هذه المنزلة العالية الرفيعة ، وماذا نقول إذ ما قرناهم بمن ذكرنا ومن لم نذكر ، ممن كان الوجود يتشرفُ بهم.
إن الناظر في الساحة وفيما يتردد فيها ممن يدعون الاجتهاد وهم لما يصلوا بعد إلى أولى درجات طالب العلم يجد أمراً عجباً ، لولا أن الإنسان يسمعه بإذنه ، ويراه بعينه ، لأنكر نقله ، لأنه مما لا يصدق.
ومن سلك هذا المسلك يكون أحد رجلين:
الأول:
رجل يريد أن يتعلم ، إلا أنه لم يجد المعلم ، فنظر في الكتب ، وأخذ منها ما توصل إليه بفهمه ، ووقع منه ما ذكرنا من التصحيف ، والفهم الخاطئ ، إلا أنه معترف بعجزه ، مقر بأنه لم يفهم الفهم السليم ، يبحث عن المعلم ليتلقى عنه ، كمن يسلم في ديار الغرب اليوم ، أو في البلاد التي شح فيها العلماء أو انقرضوا ، وهذا أيضا يغتفر له ما يصدر منه ، أو يقع فيه ، مما ذكرنا ريثما يصل إلى المعلم.
أما الثاني:
فهو رجل يعيش في ديار المسلمين ، بين ظهراني العلماء ، ولكنه مع هذا أعرض عنهم ، وأخذ يعبث بنصوص الشريعة ، يزعم أنه يجتهد فيها ، فيحل حرام الله ، ويحرم حلاله ، وأخذ يجهل زيداً ، ويفسق عمراً ، ويكفر بكراً ، ويعيث في الأرض الفساد .
ويزيد فوق هذا كلِّه أنه يجعل هذا الباطل الذي هو عليه منهجاً ، يدعو إليه ، ويحث عليه ، وهو لا أقول: إنه لم يصل لدرجة الاجتهاد ، بل أقول: إنه لم يصل لدرجة إتقان القراءة للنصوص قراءة صحيحة.