فالجَوابُ: أن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصِّمَاخ بقوته، وربما يخرقُ الغِشَاء الذي داخل الأذن، وأما سرعة المشي فلا تؤذي، وإن أذت فلا يؤذي غيره في طريقه، والصوت يبلغ من على اليمين وعلى اليسار، ولأن اللمس يؤذي آلة اللمس، والصوت يؤذي آلة السمع، وآلة السمع على باب القلب، فإن الكلامَ ينتقلُ من السمع إلى القلب، ولا كذلك اللمس.
وأيضاً فلأن قبيحَ القول أقبح من قبيح الفعل، وحسنه أحسن لأن اللسان تَرْجُمانُ القلب.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يفهم كونه أنكر الأصوات مع أن حزَّ المِنْشَار بالمبرد ودق النحاس بالحديد أشد صوتاً؟!
فالجواب من وجهين:
الأول: أن المراد أنكر أصوات الحيوانات صوتاً الحميرُ، فلا يَردُ السؤال.
الثاني: أن الآمر بمصلحة وعبادة لا ينكر صوته بخلاف صوت الحمير.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال هَاهُنا: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله} فعداه بـ «إلى» وقال في البقرة: {بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ} [الآية: 112] ) فعداه باللاّم؟
فقال الزمخشري: أَسْلَمَ لِلّه أي إلى الله يعني أنَّ «أَسْلَمَ» يتعدى تارة «باللام» وتارة بـ «إلى»
قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ} [النساء»: 79] وقال: {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} .
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في قوله في العنكبوت: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] وقال هاهنا: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} ؟
فالجَوابُ: لما ذكر هاهنا أمراً عظيماً وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد أي في الكفر وهو الذي انزجر بعض الانزجار، ومقتصد في الإخلاص فيبقى معه شيء منه ولم يبق على ما كان عليه من الإخلاص، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معانيه مثل ذلك الأمر فذكر إشراكهم حيث لم يبق عندهم أُثر. انتهى انتهى {اللباب في علوم الكتاب} ...