جمع هذا بين ظاهر ما أبطنه وباطن ما أظهره بتكرار لفظ القبل، تقدير
الكلام والله أعلم بما ينزل: (وَإِنْ كَانُوا) أي: المؤمنين (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ)
الوحي (لَمُبْلِسِينَ) أي: مجدين لما جاءهم به الوحي من التوحيد والعلم بالله
واليقين بالدار الآخرة وبلقاء الله، ويمكن أن يكون معناه زائدًا إلى هذا (لَمُبْلِسِينَ) ، أي:
داخلين في الإبلاس واللعن، كما يقال:"منجد ومتهم"لداخل نجد وتهامة، كما
قال: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) .
وأمَّا قوله - جل ذكره - من قبله، أي: من قبل إنزال الله الماء من السماء
رجوعًا إلى ظاهر المثل، ويكون قد أبطن وصفهم فيكون يقظين أو ناسين، فيكون
الضمير في قبله راجعًا على الغياث بالماء.
قوله تعالى: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ...(50)
الروم: 150 هذا الماء وقوله: (إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) يصلح أن يكون وصفًا للوحي
أيضًا، فيكون المراد بالأرض: الأجسام والجوارح، وإحياؤها بالعمل بالطاعات
والإيمان والإسلام، ويصلح أن يكون المراد: الأرض وما يخرجه منها بالماء،
وحسب الناظر إلى رحمة الله ما أصلح به من العباد، لذلك قال عز من قائل:(إِنَّ
ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى)أي: من هؤلاء وهؤلاء (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
ثم قال عز من قائل: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا ...(51) . يعني: الزرع والجنات،
ويصلح أن يكون ريحًا من الأمر تهيج فتنة وبدعة وضلالة(لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ
يَكْفُرُونَ)أتبع ذلك قوله: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) إلى
قوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ... (54) . أخبر - جل ذكره - بتدوار دوائر التقليب في أحوال
الخلقة على العبد، وانتظم معناه بمعنى ما تقدم في صدور السورة من معنى ذلك،
وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) .