ونلحظ في أسلوب الآية صيغة الإفراد في {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ...} [الروم: 58] ثم تنتقل إلى صيغة الجمع في {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} [الروم: 58] فلم يقولوا لرسولهم مثلاً: أنت مبطل ، فلماذا؟ قالوا: لأن الرسول حين يُكذِّبه قومه فيقولون: أنت مبطل ، فلعل من أتباعه المؤمنين به مَنْ يدافع عنه ويشهد بصدقه ، فجاءت صيغة الجمع لتفيد الشمول ، فكأنهم يقولون: أنت مبطل وكل مَنْ (يتشدد لك) .
أو يكون المعنى {إِنْ أَنتُمْ ...} [الروم: 58] يعني: كل الرسل {مُبْطِلُونَ} [الروم: 58] أي: كاذبون تختلفون من عند أنفسكم وتقولون: هو من عند الله . وعجيب من هؤلاء أن يؤمنوا بالله ويُكذِّبوا رسله ، ككفار مكة الذين شمتوا في رسول الله حين فتر عنه الوحي فقالوا:"إن رب محمد قلاه".
وهم لا يدرون أو الوحي كان يجهد رسول الله ، وكان يشقُّ عليه في بداية الأمر ، حتى جاء زوجه خديجة يقول: زملوني زملوني ، دثروني دثروني ، وكان جبينه يتفصد عرقاً ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول عن الملَك:"وضمني حتى بلغ مني الجهد".
وما ذاك إلا لالتقاء الملكية بالبشرية ؛ لذلك كان جبريل عليه السلام يتمثل لسيدنا رسول الله في صورة بشر ، ليس عليه غبار السفر ولا يعرفه أحد ، كما جاء لرسول الله وهو في مجلس الصحابة يسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان .
إذن: مسألة فتور الوحي وانقطاعه مدة عن رسول الله أراد الله به أن يستريح رسول الله من مشقة الوحي حتى يزول عنه الألم والعناء وعندها يشتاق للوحي من جديد ، ويهون عليه فيتحمله ويصير له دُرْبه على تلقيه من الملك ، فشَوْق الإنسان إلى الشيء يجعله يتحمل المشاقّ في سبيله ، ويُهوِّن عليه الصعاب ، كالذي يسير إلى محبوبه فلا يبالي حتى لو سار على الشوك ، أو اعترضته المخاوف والأخطار .