فالأمر لا يتعدى كونهم يريدون إطالة الإجراءات وامتداد الوقت في جدل لا يجدي ، ثم إن في إجابتهم إلى ما طلبوا رغم تكذيبهم بالآيات السابقة احتراماً لعدم إيمانهم ، ودليلاً على أن الآيات السابقة كانت غير كافية ، بدليل أنه جاءهم بآية أخرى ، إذن: فعدم مجيء الآيات يعني أن الآيات السابقة كانت كافية للإيمان لكنهم لم يؤمنوا ؛ لذلك لن نجيبهم في طلب آيات أخرى جديدة .
وهذه القضية واضحة في جدل إبراهيم - عليه السلام - مع النمروذ في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ...} [البقرة: 258] .
وعندها شعر إبراهيم عليه السلام بأن خَصْمه يميل إلى الجدل والسفسطة ، وأنه يريد إطالة مد الجدل ، ويريد تضييع الوقت في أخذ وردٍّ ؛ لذلك أضرب عن هذه الحجة - مع أن خَصْمه لا يميت ولا يحيى على الحقيقة - وألجأه إلى حجة أخرى لا يستطيع منها فكاكاً ، ولا يجد معها سبيلاً للمراوغة فقال: {فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب ...} [البقرة: 258] فماذا يقول هذا المعاند؟ {فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} [البقرة: 258] .
كذلك كان فرعون يلجأ إلى هذا الأسلوب في حواره مع موسى وهارون عليهما السلام ، ففي كل موقف كان يقول: {فَمَن رَّبُّكُمَا يا موسى} [طه: 49] إنه الجدل العقيم ، يلجأ إليه مَنْ أفلس ، فلم يجد حجة يستند إليها .