كذلك النور المعنوي ، وهو نور القيم والمنهج يمنعك أنْ تضرَّ غيرك ، ويمنع غيرك أنْ يضرَّك ، وكما ينجيك النور الحسي من المعاطب الحسية كذلك ينجيك نور القيم من المعاطب المعنوية .
لذلك يقول سبحانه بعد أن ضرب لنا هذا المثل: {نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} [النور: 35] .
وسبق أنْ ذكرنا ما كان من مدح أبي تمام لأحد الخلفاء:
إقْدامُ عَمروٍ في سَمَاحةِ حَاتمٍ ... في حِلْم أحْنَفَ في ذَكَاءِ إيَاسِ
فقال أحد حُسَّاده على مكانته من الخليفة: أتشبه الخليفة بأجلاف العرب؟ فأطرق هنيهة ، ثم أكمل على نفس الوزن والقافية:
لاَ تُنكِروا ضرْبي لَهُ مَنْ دُونَه ... مثَلاً شَرُوداً في النَّدَى والبَاسِ
فاللهُ قَدْ ضربَ الأقلَّ لِنُورهِ ... مَثَلاً من المشْكَاةِ والنبراسِ
الأعجب من هذا أنهم أخذوا الورقة التي معه ، فلم يجدوا فيها هذين البيتين ، وهذا يعني أنه ارتجلهما لتوّه ، وقد قلت: والله لو وجدوا هذه الأبيات مُعدة معه لما قلَّل ذلك من شأنه ، بل فيه دلالة على ذكائه واحتياطه لأمره وتوقعه لما قد يقوله الحساد والحاقدون عليه .
لكن لم تُجد هذه الأمثال ولم ينتفعوا بها ، وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد بل: {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ...} [الروم: 58] أي: جديدة {لَّيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} [الروم: 58] فيتهمون الرسل في بلاغهم عن الله بأنهم أهل باطل وكذب .
والحق سبحانه يحتجّ على الناس في أنه لم يُجبهم إلى الآيات التي اقترحوها ؛ لأن السوابق مع الأمم التي كذَّبت الرسل تؤيد ذلك ، فقد كانوا يطلبون الآيات ، فيجيبهم الله إلى ما طلبوا ، فما يزدادون إلا تكذيباً .
لذلك يقول سبحانه: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ...} [الإسراء: 59] .